إسرائيل
وأفريقيا
رؤية
تاريخية وسياسية
إعداد/ عمرو زكريا خليل
تحتل أفريقيا فى
منظومة العلاقات الخارجية الإسرائيلية مكانة خاصة وفريدة، سواء من ناحية الخلفية
والدوافع من أجل اقامة علاقات بينهما أو من ناحية المتغيرات التى شهدتها. ولقد ظهر
هذا التفرد على عدة مستويات:
- إسرائيل
من أوائل الدول التى ساعدت الدول الأفريقية فور حصولها على استقلالها، ولم تكن
المساعدة الإسرائيلية مالية على وجه الخصوص، بل فى الأساس بتدريب الأيدى العاملة.
- كان
للنشاط الإسرائيلى فى أفريقيا اعتبارات أيديولوجية وانسانية ليس فقط سياسية
واقتصادية.
- تميزت
العلاقات الإسرائيلية الأفريقية بالتحولات والتغييرات الشديدة، من علاقات حميمة
جداً إلى قطع للعلاقات الدبلوماسية – وهى ظاهرة فريدة فى علاقات إسرائيل والدول
الأخرى.
المراحل الرئيسية فى
علاقات إسرائيل وأفريقيا
أولاً،
فترة "العصر الذهبى" فى الستينيات - وهى الفترة التى أقامت فيها إسرائيل علاقات
دبلوماسية مع الغالبية العظمى من الدول المستقلة فى تلك الفترة.
ثانياً،
سنوات السبعينيات - خاصة منذ حرب
أكتوبر 1973، عندما قطعت كل دول أفريقيا تقريباً علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل.
ثالثاً،
سنوات الثمانينيات والتسعينيات -
عودة إسرائيل إلى أفريقيا.
أولاً: فترة
"العصر الذهبى" فى سنوات الستينيات
الدوافع التى دفعت
إسرائيل للعمل فى أفريقيا:
1- الأهداف
السياسية
كان الهدف الرئيسى هو
كسر الحصار العربى من خلال شراء التفاهم والتأييد السياسى لدول أفريقيا فى النزاع
الشرق أوسطى فى المحافل الدولية؛ فالقارة الأفريقية مهمة نظراً للعدد الكبير من
الدول فيها؛ حيث لكل واحدة من هذه الدول صوت فى الأمم المتحدة. وفى إطار الجهود
الإسرائيلية لإفشال أهداف العرب التى تعمل على عزلتها السياسية ونزع شرعيتها، كان
من المهم بالنسبة لإسرائيل أن تظهر تواجداً وعلاقات صداقة مع عشرات الدول
الأفريقية، كما أضافت هذه العلاقات أيضا بعداً مهماً لإسرائيل فى علاقاتها
الدولية.
لقد حرصت الدول
العربية على عزل إسرائيل فى كل المحاافل الدولية الممكنة، وعدم اشراكها فى المناقشات،
مثال على ذلك فى مؤتمر باندونج 1955 (المؤتمر الأفرو-أسيوى) الذى تقرر فيه مقاطعة
إسرائيل وعدم اشراكها فى المناقشات. ولقد اتخذت فى هذا المؤتمر قرارات أيدت
الفلسطينيين وأدانت إسرائيل كأداة للاستعمار فى الشرق الأوسط، وأفريقيا وأسيا.
لذلك اتضح من ذلك الوضع لصانعى السياسة الإسرائيلية أنه يجب أن تهتم إسرائيل أكثر
بدول العالم الثالث وضرورة تطوير العلاقات مع الدول الجديدة فى أفريقيا.
2- الأهداف
الاقتصادية
تزود أفريقيا العالم
بجزء كبير من البن، والكاكاو، والأخشاب، والألماس، والذهب، والمعادن، وكانت
إسرائيل مهتمة بالحصول على المواد الخام، خاصة الألماس والأخشاب، من أفريقيا وبيع
المنتج الإسرائيلى المصنع إلى دول أفريقيا التى لم تكن الصناعة متطورة فيها.
3- المصالح
الاسترايتجية
خاصة فى القرن
الأفريقى، أثيوبيا وإرتريا القريبة جغرافياً من إسرائيل. لقد كانت العلاقات الطيبة
مع أثيوبيا، على سبيل المثال، مهمة لضمان الممر البحرى إلى الشرق الأقصى وإلى جنوب
أفريقيا. علاوة على ذلك فإن كل من أثيوبيا وكينيا وأوغندة تقع خلف الدول العربية
وكان هناك أهمية فى الوجود الإسرائيلى فى هذه المنطقة.
4. المستوى
الاسلامى
توجد فى كثير من الدول
الأفريقية أغلبية أو أقلية مسلمة مهمة، من الممكن أن يساهم التعاون معها فى ألا
يتحول الصراع العربى الإسرائيلى إلى صراع ذى طابع دينى مع كل العالم الاسلامى.
لكن مع كل النوايا
الإسرائيلية فى دفع علاقاتها مع أفريقيا، لم يكن فى مقدورها ذلك إن لم تكن هناك رغبة
مشابهة من الجانب الأفريقى فى دفع تلك العلاقة؛ فقد قبل الكثير من زعماء أفريقيا
المبادرة الإسرائيلية بأذرع مفتوحة، وأظهروا اهتماماً كبيراً بتجربة إسرائيل
(كدولة جديدة متقدمة اقتصادياً – اجتماعياً – سياسياً وعسكرياً). فقد رأوا فى
الصهيونية وفى الحركة القومية اليهودية نموذجاً والهاماً للصحوة القومية السوداء
وتحرير أفريقيا. بل دعوا حركتهم "الصهيونية السوداء". ولقد قام الكثير
من المفكرين بهذه المقارنة وكانوا من المشجعين للصهيونية وإسرائيل.
لقد ظهر
النشاط الإسرائيلى فى أفريقيا فى الستينيات من خلال انشاء شبكة كبيرة من السفارات
فى كل واحدة من ال33 دولة الأفريقية المستقلة آنذاك تقريباً. وكانت هناك زيارات
متبادلة بين الرؤساء ورؤساء الحكومات والشخصيات العامة. كما لم يقف النشاط
الإسرائيلى عند المجال السياسى الدبلوماسى فقد كانت هناك أهمية خاصة للتعاون الفنى
خاصة فى تدريب الأيدى العاملة فى الزراعة، والرى، وتطوير المناطق القاحلة، وتطوير
الطوائف وحركات الشباب، والطب، والهندسة وغيرها.
وفى المجال الاقتصادى، عملت شركات إسرائيلية مثل
"سوليل بونيه"، "مقوروت"، و"كور ساحر" فى بلدان
مختلفة فى أفريقيا فى مجالات البناء العام ورصف الطرق وتطوير منابع المياه. كما
كان هناك تعاون أمنى عسكرى مع أفريقيا. ولقد احتلت المساعدات العسكرية والامنية
الإسرائيلية فى أفريقيا مكاناً بارزاً فى هذه المرحلة. ترجع أهمية المساعدات فى أن
الزعماء الأفارقة كان لديهم انطباعاً جيداً من الانتصارات العسكرية التى حققتها
إسرائيل. ولقد ركزت إسرائيل نشاطها الأمنى فى أثيوبيا وفى شرق أفريقيا، المهمة لها
استراتيجيا (أثيوبيا على سبيل المثال كانت مسيحية محاطة بدول اسلامية معادية).
يمكن القول أنه فى السنوات 1957-1973 أعطيت الاولوية لأفريقيا من مجمل علاقات
إسرائيل مع دول العالم الثالث.
وبالفعل نجحت علاقات
الصداقة والتعاون التى أقامتها إسرائيل مع زعماء أفريقيا فى الستينيات، ونجحت
إسرائيل فى ان تجعلهم يصدون العدوان العربى ضدها فى الامم المتحدة وفى المحافل
الدولية، بما فى ذلك فى منظمة الوحدة الأفريقية (OAU).
لقد كان النشاط الإسرائيلى
فى أفريقيا أمراً مزعجا بالنسبة للعرب، وخاصة جمال عبد الناصر الذى أعلن أنه قد
قرر ابعاد إسرائيل عن أفريقيا. لقد اعتبر العرب أفريقيا ساحة مهمة فى الصراع
السياسى ضد إسرائيل وبدأوا فى الضعط على دولها لقطع علاقاتها مع دولة اليهود.
وفى الأمم المتحدة أيدت
الدول الأفريقية طلب إسرائيل اجراء مفاوضات مباشرة مع العرب. كما رفضت فى منظمة
الوحدة الأفريقية -فى نفس الفترة- طلب العرب وضع موضوع الشرق الأوسط على جدول
الأعمال. وعلى حد زعم الأفارقة فإن موضوع الشرق الأوسط ليس حيوياً بالنسبة
للموضوعات الأفريقية, ولقد اعتبرت إسرائيل الموقف الأفريقى انجازاً لسياستها فى
أفريقيا.
يمكن القول، أنه حتى
حرب 1967 كان فى مقدور إسرائيل أن تكون راضيةً عن انجازاتها السياسية فى أفريقيا
وعن نجاحها فى صد التطلع العربى لعزلها وادانتها.
إن عدم استقرار
الأنظمة فى أفريقيا وتغيير أنظمة الحكم أدى إلى اتهام إسرائيل من حين إلى آخر
بالتدخل فى الشئون الداخلية للدول الأفريقية ومساعدة المتمردين والحركات
الانفصالية. وفى مؤتمر القمة لمنظمة الوحدة الأفريقية فى 1973 تم ادانة إسرائيل
بتقديم المساعدات العسكرية للمنظمات الإنفصالية. كما كان هناك انتقادات فى داخل
إسرائيل للمساعدات العسكرية التى تصبغها بـ"الشكل العسكرى".
ثانياً: سنوات
السبعينيات – فترة قطع العلاقات