الخميس، 19 ديسمبر 2013

العلاقات الإسرائيلية الأفريقية نظرة تاريخية

إسرائيل وأفريقيا
رؤية تاريخية وسياسية
 إعداد/ عمرو زكريا خليل
تحتل أفريقيا فى منظومة العلاقات الخارجية الإسرائيلية مكانة خاصة وفريدة، سواء من ناحية الخلفية والدوافع من أجل اقامة علاقات بينهما أو من ناحية المتغيرات التى شهدتها. ولقد ظهر هذا التفرد على عدة مستويات:
- إسرائيل من أوائل الدول التى ساعدت الدول الأفريقية فور حصولها على استقلالها، ولم تكن المساعدة الإسرائيلية مالية على وجه الخصوص، بل فى الأساس بتدريب الأيدى العاملة.

- كان للنشاط الإسرائيلى فى أفريقيا اعتبارات أيديولوجية وانسانية ليس فقط سياسية واقتصادية.

- تميزت العلاقات الإسرائيلية الأفريقية بالتحولات والتغييرات الشديدة، من علاقات حميمة جداً إلى قطع للعلاقات الدبلوماسية – وهى ظاهرة فريدة فى علاقات إسرائيل والدول الأخرى.

المراحل الرئيسية فى علاقات إسرائيل وأفريقيا
أولاً، فترة "العصر الذهبى" فى الستينيات -  وهى الفترة التى أقامت فيها إسرائيل علاقات دبلوماسية مع الغالبية العظمى من الدول المستقلة فى تلك الفترة.
ثانياً، سنوات السبعينيات -  خاصة منذ حرب أكتوبر 1973، عندما قطعت كل دول أفريقيا تقريباً علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل.
ثالثاً، سنوات الثمانينيات والتسعينيات -  عودة إسرائيل إلى أفريقيا.

أولاً: فترة "العصر الذهبى" فى سنوات الستينيات
الدوافع التى دفعت إسرائيل للعمل فى أفريقيا:
1- الأهداف السياسية
كان الهدف الرئيسى هو كسر الحصار العربى من خلال شراء التفاهم والتأييد السياسى لدول أفريقيا فى النزاع الشرق أوسطى فى المحافل الدولية؛ فالقارة الأفريقية مهمة نظراً للعدد الكبير من الدول فيها؛ حيث لكل واحدة من هذه الدول صوت فى الأمم المتحدة. وفى إطار الجهود الإسرائيلية لإفشال أهداف العرب التى تعمل على عزلتها السياسية ونزع شرعيتها، كان من المهم بالنسبة لإسرائيل أن تظهر تواجداً وعلاقات صداقة مع عشرات الدول الأفريقية، كما أضافت هذه العلاقات أيضا بعداً مهماً لإسرائيل فى علاقاتها الدولية.
لقد حرصت الدول العربية على عزل إسرائيل فى كل المحاافل الدولية الممكنة، وعدم اشراكها فى المناقشات، مثال على ذلك فى مؤتمر باندونج 1955 (المؤتمر الأفرو-أسيوى) الذى تقرر فيه مقاطعة إسرائيل وعدم اشراكها فى المناقشات. ولقد اتخذت فى هذا المؤتمر قرارات أيدت الفلسطينيين وأدانت إسرائيل كأداة للاستعمار فى الشرق الأوسط، وأفريقيا وأسيا. لذلك اتضح من ذلك الوضع لصانعى السياسة الإسرائيلية أنه يجب أن تهتم إسرائيل أكثر بدول العالم الثالث وضرورة تطوير العلاقات مع الدول الجديدة فى أفريقيا.
2- الأهداف الاقتصادية
تزود أفريقيا العالم بجزء كبير من البن، والكاكاو، والأخشاب، والألماس، والذهب، والمعادن، وكانت إسرائيل مهتمة بالحصول على المواد الخام، خاصة الألماس والأخشاب، من أفريقيا وبيع المنتج الإسرائيلى المصنع إلى دول أفريقيا التى لم تكن الصناعة متطورة فيها.
3- المصالح الاسترايتجية
خاصة فى القرن الأفريقى، أثيوبيا وإرتريا القريبة جغرافياً من إسرائيل. لقد كانت العلاقات الطيبة مع أثيوبيا، على سبيل المثال، مهمة لضمان الممر البحرى إلى الشرق الأقصى وإلى جنوب أفريقيا. علاوة على ذلك فإن كل من أثيوبيا وكينيا وأوغندة تقع خلف الدول العربية وكان هناك أهمية فى الوجود الإسرائيلى فى هذه المنطقة.
4. المستوى الاسلامى
توجد فى كثير من الدول الأفريقية أغلبية أو أقلية مسلمة مهمة، من الممكن أن يساهم التعاون معها فى ألا يتحول الصراع العربى الإسرائيلى إلى صراع ذى طابع دينى مع كل العالم الاسلامى.

لكن مع كل النوايا الإسرائيلية فى دفع علاقاتها مع أفريقيا، لم يكن فى مقدورها ذلك إن لم تكن هناك رغبة مشابهة من الجانب الأفريقى فى دفع تلك العلاقة؛ فقد قبل الكثير من زعماء أفريقيا المبادرة الإسرائيلية بأذرع مفتوحة، وأظهروا اهتماماً كبيراً بتجربة إسرائيل (كدولة جديدة متقدمة اقتصادياً – اجتماعياً – سياسياً وعسكرياً). فقد رأوا فى الصهيونية وفى الحركة القومية اليهودية نموذجاً والهاماً للصحوة القومية السوداء وتحرير أفريقيا. بل دعوا حركتهم "الصهيونية السوداء". ولقد قام الكثير من المفكرين بهذه المقارنة وكانوا من المشجعين للصهيونية وإسرائيل.

لقد ظهر النشاط الإسرائيلى فى أفريقيا فى الستينيات من خلال انشاء شبكة كبيرة من السفارات فى كل واحدة من ال33 دولة الأفريقية المستقلة آنذاك تقريباً. وكانت هناك زيارات متبادلة بين الرؤساء ورؤساء الحكومات والشخصيات العامة. كما لم يقف النشاط الإسرائيلى عند المجال السياسى الدبلوماسى فقد كانت هناك أهمية خاصة للتعاون الفنى خاصة فى تدريب الأيدى العاملة فى الزراعة، والرى، وتطوير المناطق القاحلة، وتطوير الطوائف وحركات الشباب، والطب، والهندسة وغيرها.
 وفى المجال الاقتصادى، عملت شركات إسرائيلية مثل "سوليل بونيه"، "مقوروت"، و"كور ساحر" فى بلدان مختلفة فى أفريقيا فى مجالات البناء العام ورصف الطرق وتطوير منابع المياه. كما كان هناك تعاون أمنى عسكرى مع أفريقيا. ولقد احتلت المساعدات العسكرية والامنية الإسرائيلية فى أفريقيا مكاناً بارزاً فى هذه المرحلة. ترجع أهمية المساعدات فى أن الزعماء الأفارقة كان لديهم انطباعاً جيداً من الانتصارات العسكرية التى حققتها إسرائيل. ولقد ركزت إسرائيل نشاطها الأمنى فى أثيوبيا وفى شرق أفريقيا، المهمة لها استراتيجيا (أثيوبيا على سبيل المثال كانت مسيحية محاطة بدول اسلامية معادية). يمكن القول أنه فى السنوات 1957-1973 أعطيت الاولوية لأفريقيا من مجمل علاقات إسرائيل مع دول العالم الثالث.
وبالفعل نجحت علاقات الصداقة والتعاون التى أقامتها إسرائيل مع زعماء أفريقيا فى الستينيات، ونجحت إسرائيل فى ان تجعلهم يصدون العدوان العربى ضدها فى الامم المتحدة وفى المحافل الدولية، بما فى ذلك فى منظمة الوحدة الأفريقية  (OAU).
لقد كان النشاط الإسرائيلى فى أفريقيا أمراً مزعجا بالنسبة للعرب، وخاصة جمال عبد الناصر الذى أعلن أنه قد قرر ابعاد إسرائيل عن أفريقيا. لقد اعتبر العرب أفريقيا ساحة مهمة فى الصراع السياسى ضد إسرائيل وبدأوا فى الضعط على دولها لقطع علاقاتها مع دولة اليهود.
وفى الأمم المتحدة أيدت الدول الأفريقية طلب إسرائيل اجراء مفاوضات مباشرة مع العرب. كما رفضت فى منظمة الوحدة الأفريقية -فى نفس الفترة- طلب العرب وضع موضوع الشرق الأوسط على جدول الأعمال. وعلى حد زعم الأفارقة فإن موضوع الشرق الأوسط ليس حيوياً بالنسبة للموضوعات الأفريقية, ولقد اعتبرت إسرائيل الموقف الأفريقى انجازاً لسياستها فى أفريقيا.
يمكن القول، أنه حتى حرب 1967 كان فى مقدور إسرائيل أن تكون راضيةً عن انجازاتها السياسية فى أفريقيا وعن نجاحها فى صد التطلع العربى لعزلها وادانتها.
إن عدم استقرار الأنظمة فى أفريقيا وتغيير أنظمة الحكم أدى إلى اتهام إسرائيل من حين إلى آخر بالتدخل فى الشئون الداخلية للدول الأفريقية ومساعدة المتمردين والحركات الانفصالية. وفى مؤتمر القمة لمنظمة الوحدة الأفريقية فى 1973 تم ادانة إسرائيل بتقديم المساعدات العسكرية للمنظمات الإنفصالية. كما كان هناك انتقادات فى داخل إسرائيل للمساعدات العسكرية التى تصبغها بـ"الشكل العسكرى".

ثانياً: سنوات السبعينيات – فترة قطع العلاقات
فى بداية سنوات السبعينيات، عندما بدأت الدول الأفريقية قطع علاقاتها مع إسرائيل الواحدة تلو الأخرى، العملية التى وصلت إلى ذروتها فى عام 1973، كان ذلك أمراً مفاجئاً ومحبطاً لإسرائيل؛ فقد قطعت 30 دولة علاقتها بإسرائيل ومالاوى فقط ولاسوتو وسويزلاند، أبقت على العلاقات معها. ولقد كان الشىء المشترك بين هذه الدول الثلاثة – العلاقة المتينة مع جنوب أفريقيا من ناحية، وعدم الاهتمام بمنظمة الوحدة الأفريقية.

عملية قطع العلاقات:
كانت غينيا أول دولة أفريقيا قطعت علاقاتها مع إسرائيل فى 1967، فقد اتهمت غينيا إسرائيل بعد حرب 1967 أنها هاجمت العرب. علاوة، على خلفية الحرب الباردة، انضمت غينيا إلى الإتحاد السوفيتى والكتلة الشيوعية وقطعت علاقاتها مع إسرائيل كما أمر المعسكر الشيوعى.
بدأت أول موجة قطع علاقات مع إسرائيل فى نهاية 1972 وفى بداية 1973، أى حتى قبل حرب 1973، هذا عندما قطعت كل من تشاد والنيجر ومالى والكونغو علاقاتها مع إسرائيل. ولقد قطعت هذه الدول الثلاثة علاقاتها باسرائيل من منطلق الضغط الذى مورس عليها باسم التضامن الاسلامى والإغراءات المالية، ولقد قامت الكونغو بقطع العلاقات من منطلق العلاقات الوطيدة مع الكتلة الشيوعية. بدأت الموجة الثانية من قطع العلاقات عشية حرب 1973، حيث كانت الحجة الرئيسية التوتر الذى نشأ بين مصر "الأخت" وإسرائيل "الصديقة". ولقد نبعت الأسباب الرئيسية فى قطع العلاقات مع إسرائيل من حقيقة أنه منذ نهاية الستينيات زادت الدول العربية من كفاحها ضد إسرائيل من خلال استغلال ميزاتها الموضوعية فى أفريقيا. ومن هذه الميزات:

- حقيقة أن هناك دول عربية فى أفريقيا – مثل مصر والسودان وليبيا وتونس والجزائر والمغرب؛ فهذه الدول موجودة أيضاً فى أفريقيا وكذلك عضو فى منظمة الوحدة الأفريقية وعضو فى الجامعة العربية. ولقد نجحت مصر فى منظمة الوحدة الأفريقية فى العمل على اتخاذ قرار فى 1973، بعد الحرب، دعا إلى قطع العلاقات مع إسرائيل، كما زعمت مصر أن إسرائيل سيطرت على جزء من أفريقيا واحتلت شبه جزيرة سيناء.

- حوالى ثلث سكان أفريقيا مسلمين – ولقد استغلت الدول العربية هذه الحقيقة من أجل تسيسس الاسلام فى أفريقيا.

- نجحت الدعايا العربية منذ 1967 فى استغلال المشاعر الأفريقية ومعارضتها احتلال الاراضى بالقوة. كما نجحت مصر فى اقناع الدول الأفريقية للطلب من إسرائيل الانسحاب من كل الاراضى التى احتلتها فى 1967.

- كما استغلت الدول العربية حساسية الدول الأفريقية بالنسبة لموضوع حق تقرير المصير – فقد كان الأفارقة ما يزالون يخضعون لحكم البيض (سياسة التفرقة العنصرية فى جنوب أفريقيا). ولقد نجح العرب فى دعايتهم فى المساواة بين منظمة التحرير الفلسطينية وبين حركات التحرير الأفريقية، وبين إسرائيل وجنوب أفريقيا وبين الصهيونية وسياسة التفرقة العنصرية (الأبارتهايد).

- نجح العرب فى اقناع الأفارقة بأن شبه جزيرة سيناء التى احتلتها إسرائيل هى جزء من القارة الأفريقية.

- بالاضافة إلى النشاط العربى ضد الوجود الإسرائيلى فى أفريقيا، كانت هناك أيضاً الدول الشيوعية التى ساندت الموقف العربى والتى نجحت فى التأثير على بعض زعماء أفريقيا – ووصفت إسرائيل بالعنصرية والمعتدية وعميلة الامبريالية الغربية.

- ضعفت مكانة إسرائيل فى أفريقيا أيضا بسبب أعمالها واخفاقاتها – ففى بداية السبعينيات احتلت أفريقيا مكانة أقل أهمية لدى الخارجية الإسرائيلية مقارنة بفترة الستينيات. علاوة على وجود اخفاقات فى المشاركة الاقتصادية التى لم يكن عليها رقيب من السلطات المركزية فى إسرائيل.

- تجدر الإشارة إلى أن قطع العلاقات مع أفريقيا كان فى نهاية عملية تدهور تدريجى فى الموقف السياسى لإسرائيل فى أفريقيا فى السنوات 1967-1970. ومنذ عام 1968 زادت المشاركة الأفريقية فى الصراع الشرق الأوسطى كنتيجة للضغوط العربية.

على الرغم أنه لم يكن لإسرائيل طوال 10 سنوات علاقات رسمية مع معظم دول أفريقيا، فقد أقامت إسرائيل علاقات فعلية موسعة مع بعض من أهم هذه الدول، والسبب فى ذلك أنه على المستوى الثنائى، لم يكن الصراع بين إسرائيل وبين أى دولة أفريقية، لكن زاد تدريجياً أيضاً النشاط العربى فى أفريقيا على المستوى السياسى والاقتصادى، والاسلامى؛ فعلى المستوى السياسى برزت زيادة فى النشاط العربى فى اقامة شبكة واسعة من السفارات العربية فى كل دولة أفريقية تقريباً. وعلى المستوى الدعائى أكد العرب على علاقات إسرائيل بجنوب أفريقيا، خاصة فى المجال العسكرى النووى، وزعموا أن الدولتين تشكلان خطراً على دول أفريقيا؛ إسرائيل من الشمال وجنوب أفريقيا من الجنوب. ولقد وصل هذا النشاط الى ذروته فى إعلان الهيئة العامة للأمم المتحدة فى 1975، عن تأييد معظم دول أفريقيا، للقرار الذى اتخذته والذى يستنكر الصهيونية كصورة من صور العنصرية.
على المستوى الإقتصادى، تم انشاء مؤسسات مالية عربية لمساعدة أفريقيا مثل "الصندوق المتحد لمساعدة أفريقيا"، "البنك العربى للتنمية الاقتصادية لأفريقيا (BADEA). ولقد كان فى هذا النشاط العربى المتنوع  فى أفريقيا ما يمنع استئناف العلاقات طوال عشر سنوات ومن بعدها التباطوء فى استئنافها. لكنه لم يكن فى مقدوره أن يمنع فى النهاية عودة إسرائيل الى أفريقيا، وذلك نتيجة للتغييرات التى طرأت على العلاقات العربية الأفريقية وعن التطورات فى إسرائيل وفى منطقة الشرق الأوسط، وخاصة إقامة إسرائيل لعلاقات مع مصر.




ثالثاً: سنوات الثمانينيات والتسعينيات – عودة إسرائيل الى أفريقيا
نبع التحول والمحاولة الإسرائيلية المتجددة للعودة الى أفريقيا فى نهاية السبعينيات، التى أدت فى نهاية الأمر إلى عملية من استئناف العلاقات، من مجموعة من العوامل التى أثرت فى ذلك الوقت على منظومة العلاقات بين إسرائيل وأفريقيا:
1. إحباط الأفارقة من وعود الدول العربية بتقديم المساعدات، خاصة فى فترة أزمة النفط التى أضرت بالدول الأفريقية.

2. سعى القذافى الرئيس الليبى، وسياسته المغرورة تجاه الدولة الأفريقية وهجماته ليس فقط ضد إسرائيل لكن أيضا ضد المسيحية والمسيحيين.

3. تجدر الاشارة فى هذا الخصوص إلى المخاوف من تعاظم الاسلام المتطرف الذى تؤيده ليبيا، والسودان وايران. ولقد أرادت بعض الدول، مثل كينيا وزامبيا، التعاون مع إسرائيل أيضاً من أجل صد هذا الخطر.

4. تفكك الإتحاد السوفيتى صاحب التأثير على بعض دول أفريقيا.

5. التغييرات فى جنوب أفريقيا وفى موقف إسرائيل من هذه الدولة – فى 1987؛ حيث انضمت إسرائيل الى العقوبات التى فرضت على نظام التفرقة العنصرية. ولقد أدت نهاية هذا النظام الى انهاء الانتقاد الموجه الى إسرائيل بسبب تأييدها لجنوب أفريقيا.

يشار - علاوة على هذه العوامل الخارجية - إلى العوامل المرتبطة باسرائيل.
أولاً، الرواسب الإيجابية التى تركتها المساعدات الإسرائيلية فى الستينيات؛ حيث أرادت الدول الأفريقية المحبطة من المساعدات العربية، استئناف المساعدات الإسرائيلية، بل واعتبرت بعض الدول الأفريقية ذلك احتمال آخر للحصول على المساعدة الأمريكية.

ثانياً، التحول فى موقف وزارة الخارجية تجاه النشاط فى أفريقيا، التى فطنت للأهمية السياسية والاقتصادية فى تحسين العلاقات مع دول أفريقيا وبذلك التخفيف من عزلة إسرائيل فى العالم، بالاضافة إلى استغلال الخلافات المتزايدة بين الدول الأفريقية والدول العربية لصالح إسرائيل.

وهناك سبب آخر لا يقل أهمية – إقامة سلام مع مصر والتطورات فى الشرق الأوسط. يمكن القول أن السلام مع مصر، وإن لم يكن دائماً العامل الحقيقى فى استئناف العلاقات مع إسرائيل، قد كان فى كثير من الأحوال ذريعة للدول الأفريقية التى ترغب فى استئناف العلاقات. وكان تفسير ذلك ان السلام مع مصر قد أزال السبب الرئيسى فى هذه القطيعة – احتلال أراضى إحدى الدول الأفريقية. ولقد كانت زائير أول دولة استخدمت هذه الحجة فى استئنافها للعلاقات مع إسرائيل فى عام 1982. يضاف إلى ذلك، أن الدول العربية قد أدركت فى نهاية الامر، أنها لن تستطيع أن تمنع موجة استئناف العلاقات، كما خشيت من أن عقوباتها ستؤدى الى ابعادها هى عن أفريقيا. كما كان وقف العقوبات العربية، وفقاً لذلك، محفزاً لهذه الاستئنافات.
يجب الإشارة الى أن التعامل الجماعى للدول الأفريقية مع إسرائيل فى مؤتمرات منظمة الوحدة الأفريقية، الأمم المتحدة وفى منظمة دول عدم الانحياز لم  يشهد تغييراً حقيقياً فى موقف الدول الأفريقية وفى تصويتها السلبى ضد إسرائيل.

فى الختام
من المهم أن نذكر فى عملية استئناف العلاقات مع دول أفريقيا أن قطع العلاقات الإسرائيلية الأفريقية قد تأثر باعتبارات أفريقية جماعية – الرغبة فى اظهار الوحدة والتضامن. فى مقابل هذا، كانت عملية التطبيع بطيئة وامتدت على فترة طويلة، بدون أن يكون هناك قرار جماعى.
لقد استأنفت كل دولة بمفردها العلاقات مع إسرائيل، لاعتبارات داخلية وخارجية خاصة بها حيث لعبت الحسابات العملية دورا رئيسياً. كان ذلك أيضاً نتيجة الانقسامات (بين الدول الأفريقية ونفسها وبين الدول الأفريقية والدول العربية) ونتيجة ضعف التضامن الأفريقى العام فى القضايا المختلفة.
واليوم يوجد لدى إسرائيل علاقات مع 40 دولة أفريقية، ويبدو أنه تم الاستفادة من التدهور السابق فى العلاقات بين إسرائيل وأفريقيا فى الماضى، وتعتبر سياسة إسرائيل تجاه أفريقيا اليوم أكثر انتقائية وواقعية، ولا يوجد ذلك الحماس والأيديولوجية التى كانت موجودة فى الستينيات (على سبيل المثال، على المستوى السياسى هناك انتشار أكبر للممثليات فى أفريقيا – ليس فى كل دولة). بالنسبة للأهداف السياسية لإسرائيل فى التعاون مع أفريقيا لا يوجد تغيير كبير؛ نظراً لأن عملية السلام لم تنته وما زال القتال السياسى العربى ضد إسرائيل مستمر فى منظمة الوحدة الأفريقية، والأمم المتحدة والمحافل الدولية. وتعمل إسرائيل اليوم من أجل المشاركة فى المجهودات الدولية المبذولة لتنمية القارة الأفريقية من خلال مخصصات مالية معلنة. كما تبذل إسرائيل مجهودات أكبر فى أفريقيا من أجل توسيع التعاون الاقتصادى – التجارى؛ وذلك من خلال تشجيع الشركات الإسرائيلية العامة على العمل فى أفريقيا.
يبدو أن الدول الأفريقية قد تعلمت من تجربة الماضى، فنظرتها الى إسرائيل مدروسة وأكثر اقعية وتوقعاتها غير مبالغ فيها مثل الماضى. لذلك، يمكن الافتراض أن العلاقات بين أفريقيا وإسرائيل، القائمة على معرفة الواقع وعلى المصالح الاقتصادية، ستكون أكثر استقرارا فى المستقبل.