الخميس، 13 سبتمبر 2018

إسرائيل

                              "إسرائيل"
عمرو زكريا خليل
"إسرائيل" اسم يعرفه الجميع للدلالة على الدولة الصهيونية التي قامت على أرض فلسطين. وبنو إسرائيل هم تلك الجماعة المنسوبة إلى يعقوب عليه السلام، الذي سُمي بـ"إسرائيل" في التوراة وكذلك في القرآن الكريم: ﴿ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾. (1) .
لا يعرف الكثيرون تفسير كلمة "إسرائيل" ومعناها. والتفسير الذي تقدمه التوراة لسبب تغيير اسم يعقوب إلى "إسرائيل" قد لا يكون مقبولًا من الناحية المنطقية أو الدينية. فالتوراة تخبرنا أن سبب التغيير هو صراع يعقوب عليه السلام على ضفة مخاضة يبوق شرقي الأردن مع ملاك الرب فتذكر: "לֹ֤א יַעֲקֹב֙ יֵאָמֵ֥ר עֹוד֙ שִׁמְךָ֔ כִּ֖י אִם יִשְׂרָאֵ֑ל כִּֽי שָׂרִ֧יתָ עִם אֱלֹהִ֛ים וְעִם אֲנָשִׁ֖ים וַתּוּכָֽל – لا يدعى اسمك في ما بعد يعقوب بل إسرائيل. لأنك جاهدت مع الله والناس وقدرت".(2) كما يقدم النبي هوشع رواية مشابهة عند الحديث عن يعقوب: " בַּבֶּ֖טֶן עָקַ֣ב אֶת אָחִ֑יו וּבְאֹונֹ֖ו שָׂרָ֥ה אֶת אֱלֹהִֽים וָיָּ֤שַׂר אֶל מַלְאָךְ֙ - في البطن قبض بعقب أخيه وبقوته جاهد مع الله. جاهد مع الملك." (3)
غير أن البروفسور إسرائيل قنوهل يذكر في كتابيه "מאין באנו? - من أين جئنا؟" (4) و "איך נולד התנ"ך – نشأة العهد القديم" (5) أن تفسير الاسم "إسرائيل" شائك من الناحية اللغوية. فمثل هذه الأسماء تكون اللاحقة " אל – الرب" فيها هي الفاعل في الجملة التي بها اسم بشكل عام. فعلى سبيل المثال الاسم "ישמעאל – إسماعيل" من الفاعل فيه؟ الرب، وماذا سيفعل الرب؟ سيسمع. و"יחזקאל - يحزقيال" من الفاعل؟ الرب، وماذا سيصنع؟ سيقوى. רפאל – رفائيل" من الفاعل؟ الرب، وماذا سيصنع؟ سيُشفي. أما التفسير المقرائي للاسم إسرائيل الفاعل فيه هو يعقوب والرب هو المفعول به. فيعقوب يصارع أو "يجاهد" مع الرب. كما أنه لا يوجد أي مؤشر على وجود الفعل שׂרה بمعنى صارع، أو جاهد باستثناء هاتين الآيتين اللتين تفسران الاسم يعقوب.
لذلك، علينا في هذه الحالة أيضًا، فيما يخص الاسم "ישראל- إسرائيل"، أن نفكر في البناء النحوي الذي يتماشى مع الأسماء التي ذكرناها: من الفاعل؟ الرب، وماذا سيصنع؟ ישׂור – سيهيمن، فالفعل "ישׂור" مشتق من الجذر "שׂרר – س. ر. ر" بمعنى الهيمنة. فمكتوب في سفر القضاة على سبيل المثال عن أبيمالك: " וַיָּ֧שַׂר אֲבִימֶ֛לֶךְ עַל יִשְׂרָאֵ֖ל שָׁלֹ֥שׁ שָׁנִֽים – فترأس أبيمالك على إسرائيل ثلاث سنين"(6) ، أي أن أبيمالك كان رئيسًا، وزعيمًا وحاكمًا على بني إسرائيل لمدة ثلاث سنين.
يظهر هذا الفعل أيضًا في صيغة الجمع في المستقبل "ישׂורו" فيقول النبي إشعياء: "הֵ֥ן לְצֶ֖דֶק יִמְלׇךְ מֶ֑לֶךְ וּלְשָׂרִ֖ים לְמִשְׁפָּ֥ט יָשֹֽׂרוּ – هوذا بالعدل يملك ملك، (7) ورؤساء بالحق يترأسون" . وكذلك تقول "الحكمة" في خطابها في سفر الأمثال: "בִּ֭י מְלָכִ֣ים יִמְלֹ֑כוּ ... בִּ֭י שָׂרִ֣ים יָשֹׂ֑רוּ – بي تملك الملوك ... تترأس الرؤساء"(8).
نلاحظ إذن أن هناك تقابل بين الفعلين "ימלך – يملك، ישר – يترأس" في الآيتين في سفري إشعياء والأمثال.
لذلك فمن المرجح أن يكون تفسير الاسم "ישר־אל, إسرائيل" هو "سيترأس الرب أو سيملك الرب. ويُستدل على ذلك بالإعلان في نهاية أنشودة البحر: " יְהוָ֥ה יִמְלֹ֖ךְ לְעֹלָ֥ם וָעֶֽד – الرب يملك إلى الدهر إلى الأبد" (9) ، فالاسم "إسرائيل" هو بمثابة إعلان عن مُلك الرب وحكمه.
--------------------------
1- سورة آل عمران 93
2- سفر التكوين 32: 28
3- هوشع 12: 5
4- ישראל קנוהל, מאין באנו – הצופן הגנטי של התנ"ך.
5- ישראל קנוהל, איך נולד התנ"ך.
6- القضاة 9: 22
7- إشعياء 32: 1
8- الأمثال 8: 15-16
9- الخروج 15: 18

السبت، 25 أبريل 2015

مؤتمر باندونج وأثره على مكانة إسرائيل في آسيا


مؤتمر باندونج عام 1955 وأثره على مكانة إسرائيل في آسيا

Gedung.Merdeka
انتهت في مدينة باندونج الاندونيسية، مراسم الاحتفال بإحياء الذكرى الستين لمؤتمر القمة الأفروآسيوية، بباندونج. ويعتبر مؤتمر باندونج الذي عقد لأول مرة عام ,1955, نقطة تحول كبيرة بالنسبة لمكانة إسرائيل في آسيا.
بدأ تكتل الدول الأفروآسيوية في عام 1950 -بعد سنوات قليلة من تأسيس الأمم المتحدة-؛ حيث بدأ مندوبو 12 دولة من إجمالي 20 دولة –آسيوية وأفريقية عضو في الأمم المتحدة- في إجراء مقابلات جماعية بصفة مستمرة. وفي عام 1953 انضم إلى هذه المجموعة دولتان أفريقيتان، هما: ليبريا وأثيوبيا. أرادت إسرائيل الانضمام إلى لقاءات هذه المجموعة، لكن الدول العربية عارضت ذلك. وفي عام 1956 ضمت المجموعة 28 دولة؛ حيث أصبحت أكبر تكتل إقليمي في الأمم المتحدة.
في عام 1953, بادرت إندونيسيا بالدعوة إلى عقد مؤتمر لشعوب آسيا وأفريقيا؛ حيث أراد الرئيس الإندونيسي أحمد سوكارنو استضافة هذا المؤتمر لعدة أسباب: أيديولوجية؛ واقتصادية؛ وسياسية؛ والتطلع إلى إقامة "تكتل ثالث" حيادي. بذل رئيس الحكومة الإندونيسي علي ساستروميدجوج (Ali Sastroamidjojo) جهدًا كبيرًا من أجل إقناع رئيس الحكومة الهندية جواهرلال نهرو ليوافق على عقد هذا المؤتمر الأفروآسيوي. تقرر عقد مؤتمر تمهيدي لرؤساء حكومات "دول كولومبو" (الهند، وإندونيسيا، وباكستان، وبورما، وسيلان) لمناقشة أهداف المؤتمر، وجدول أعماله، وقائمة الدول التي سيتم توجيه الدعوة إليها. أما رؤساء الحكومات الثلاثة الآخرين فكانوا: رئيس حكومة بورما أو نو (U Nu)، ورئيس حكومة سيلان سير جون كوتيلاوالا (John Kotelawala)، ورئيس حكومة باكستان محمد علي (Mohammad Ali).
التقى رؤساء الحكومات الخمس في كولومبو -عاصمة سيلان- في 28 من أبريل حتى 2 من مايو عام 1954، من أجل الإعداد للمؤتمر الكبير. نشر رؤساء الحكومات الخمس -بعد اللقاء في كولومبو- بيانًا مشتركًا. ولقد تطرق البندان 10 و11  من البيان إلى الشرق الأوسط، بالقول: بدراسة الوضع في الشرق الأوسط؛ أعرب رؤساء الحكومات عن قلقهم الحقيقي بشأن معاناة اللاجئين الفلسطينيين. وحثُّوا الأمم المتحدة على العمل من أجل حل هذه المشكلة والتعجيل من توطين هؤلاء اللاجئين في بيوتهم الأصلية". كما أعرب رؤساء الحكومات عن تأييدهم العميق للفلسطينيين في معاناتهم، وأكدوا على تطلعهم لرؤية حل سريع لهذه المشكلة".
طالب أو نو، في المناقشات السابقة حول قائمة البلدان التي سيتم دعوتها إلى المؤتمر- بتوجيه الدعوة إلى إسرائيل ، بل هدد أنه في حال عدم توجيه الدعوة لإسرائيل فإن بورما (ميانمار) لن تشارك هي أيضًا. كما طلب من نهرو المساعدة في هذا الأمر وألاَّ يترك بورما وحيدة في علاقاتها مع إسرائيل. وافق نهرو على توجيه الدعوة لإسرائيل, فقط في حال موافقة الدول العربية.
جرى اللقاء التمهيدي الثاني بين رؤساء الحكومات في 28 من ديسمبر عام 1954، في بوجور (Bogor) القريبة من جاكرتا. وتقرر أن يُعقد المؤتمر في مدينة باندونج الإندونيسية في أبريل عام 1955. وفي 29 من ديسمبر نُشِـر بيان مشترك تم فيه تحديد أهداف المؤتمر، ونشرت رسميًا قائمة الدول الآسيوية والأفريقية التي تمت دعوتها للمشاركة فيه. ولقد ضمت قائمة الدول المدعوة 29 دولة. ولم يتم دعوة كل من: كوريا الجنوبية والشمالية، وجنوب أفريقيا، وأستراليا، ونيوزلندا، وجمهورية منغوليا الشعبية، وكذلك الصين القومية (تايوان)، وإسرائيل. وكان عدم توجيه الدعوة إلى إسرائيل نتيجة دعوة الدول العربية، وكتعويض لرئيس حكومة باكستان محمد علي، الذي وافق على الحضور في مقابل أن تُضم الصين الشعبية إلى قائمة الدول المدعوة.
بدأ دافيد هاكوهين، ممثل إسرائيل في رانجون (عاصمة بورما)، بالعمل على توجيه الدعوة لإسرائيل لحضور المؤتمر في مراحل الإعداد الأولى للمؤتمر في كولومبو. التقى كوهين مع أو نو في 24 من أبريل عام 1954 -عشية توجهه إلى كولومبو- وأجرى حوارًا معه حول وضع إسرائيل. وقال كوهين إنه يدرك أنه من غير المريح لبورما أن تكون الدولة الوحيدة التي لها علاقات مع إسرائيل في هذا المؤتمر، وطلب منه التأثير على نهرو.
سببت بنود القرار الذي اتخذ في مؤتمر كولومبو وناقشت قضية اللاجئين الفلسطينيين؛ خيبة أمل كبيرة لـدافيد هاكوهين. وكان رئيس حكومة باكستان محمد علي قد طرح القضية العربية للمناقشة، وعرض صيغة قرار يستنكر العدوان الإسرائيلي وقسوته، وأعرب عن تأييده للقضايا العادلة للعرب ووعد بتقديم المعونة لهم لمنع النوايا العدوانية الإسرائيلية. ورد أو نو بأنه لن يستطيع تأييد مشروع قرار يتهم إسرائيل ويسيء إليها. أيد نهرو أقوال أو نو وكذلك رئيس حكومة سيلان، كوتلاوالا. أراد أو نو التأكيد على ألَّا يرد اسم إسرائيل نهائيًا في القرار، وأن يُوجه كل ما يقال عن الفلسطينيين إلى اللاجئين فقط.
نشرت وزارة الخارجية الإسرائيلية في 11 من مايو عام 1954 بيانًا، أعربت فيه عن نوع من الرضا عن نتائج مؤتمر كولومبو. ذلك لرفض رؤساء حكومتي الهند وبورما مطالب رئيس حكومة باكستان الإدانة الشديدة لإسرائيل، والتي لم يؤيدها رئيسا حكومتي إندونيسيا وسيلان.
  بعد تشاور رؤساء الحكومات الخمس للهند، وباكستان، وبورما، وسيلان، وإندونيسيا، الذي جرى في بوجور، تقرر عدم دعوة إسرائيل لمؤتمر الشعوب الأفروآسيوية؛ ذلك لأن العرب أنذروا بأن كل الدول الإسلامية -وعددها 13 (من بينها 9 دول عربية)- سوف تقاطع المؤتمر لو شاركت إسرائيل فيه. أصرَّ أو نو على موقفه في البداية بأنه يجب دعوة إسرائيل، وأيده نهرو في ذلك. غير أن رئيسي حكومتي إندونيسيا وباكستان عارضا بشدة خشية المقاطعة العربية الأكيدة. أما رئيس حكومة سيلان فقد كان محايدًا. وكان نهرو هو الذي رجح الكفة في النهاية ضد إسرائيل؛ حيث انـحاز ضد عدم تقديم الدعوة لإسرائيل. لم يرغب أو نو تحمل مسئولية عدم انعقاد المؤتمر بسبب إسرائيل؛ فوافق على التراجع عن موقفه حول دعوة إسرائيل، بشرط ألا تُطرح مشكلة إسرائيل بأي شكل في مناقشات المؤتمر. أصبح هذا الاستسلام للتهديد بالمقاطعة من جانب العرب سابقة في المؤتمرات الأفروآسيوية التالية؛ حيث لم تتم دعوة إسرائيل منذ ذلك الوقت لأي مؤتمر للدول الأفروآسيوية أو مؤتمرات دول عدم الانـحياز.
 بعد أسبوعين وفي 16 من يناير، سمع هاكوهين من أو نو بنفسه حول ما يدور. ووفقًا لروايات أو نو فإن نهرو لم يكن أقل حماسة منه وطالب بإشراك إسرائيل في المؤتمر. ولقد قاما بتوزيع المهام فيما بينهما. تحدث نهرو على انفراد مع رئيس حكومة إندونيسيا، وتحدث أو نو مع رئيس حكومة باكستان، لكنهما تلقيا نفس الردود السلبية. لقد زعم الباكستاني والإندونيسي أن "موافقتنا على دعوة إسرائيل مثلها مثل الانهيار الأكيد لحكومتي إندونيسيا وباكستان". فلو تمت دعوة إسرائيل فإنه سيتم إبعاد رئيسي الحكومتين عن منصبيهما وبذلك يكون هناك شك في إمكانية عقد المؤتمر.
تجاهلت وزارة الخارجية في القدس -على مدى أسابيع طويلة- مقترحات دافيد هاكوهين في رانجون؛ بأن يكتب رئيس الحكومة شاريت إلى أو نو وإلى كوتيلاولا وأن يُحمّلهم المسئولية الأخلاقية وضرورة منع النقاشات عن إسرائيل في المؤتمر المرتقب، ورفْض أي قرار عدائي ضدها إذا لم ينجحوا في منع العرب من مهاجمتها.
الأمر الوحيد الذي سُمع في ذلك الوقت هو بيان موشِه شاريت في الكنيست، في 16 من مارس عام 1955، في رد على استجوابين؛ حيث ذكر أن الحكومة الإسرائيلية تعتبر عدم دعوة إسرائيل "قرارًا خاسرًا". وكان هناك شعور بأن أي عمل دبلوماسي لن يساعد على تغيير موقف باكستان وإندونيسيا العدائي، وإن الدول غير الإسلامية -الهند، وبورما، وسيلان- لم تكن لتقبل أن يفشل المؤتمر بسبب عدم دعوة إسرائيل.
قررت وزارة الخارجية الإسرائيلية -في بداية شهر أبريل، قبل أيام فقط من انعقاد مؤتمر باندونج، اتخاذ بعض الإجراءات لدى الدول التي تمت دعوتها إلى المؤتمر؛ بهدف إثنائها عن تقديم يد العون للمحاولات العربية المحتملة بطرح بند يخص إسرائيل على جدول أعمال المؤتمر. ولقد قامت ممثليات إسرائيل في الدول الآسيوية والأفريقية -التي تمت دعوتها لباندونج والتي كان لإسرائيل علاقات معها؛ وكذلك لدى بعض العواصم الأخرى- بإرسال مذكرات تطلب فيها الامتناع عن مناقشة القضية الفلسطينية طالما لم تتم دعوة إسرائيل للمشاركة في المؤتمر. ولقد أعلن الوفد الفلبيني المشارك في المؤتمر أنه سوف يطلب الامتناع عن إصدار أي قرار معادٍ لإسرائيل في المؤتمر.  
في 24 من مارس عام 1955 تمت دعوة دافيد هاكوهين إلى منزل أو نو الذي أكد على وعده بأنه لن ينساق بأي شكل وراء قرارات معادية لإسرائيل، حتى لو "بقي وحيدًا في المعركة". وهو لم يعرف ماذا سيكون موقف نهرو، لكنه نوى استيضاح ذلك عند زيارته لنيودلهي، التي من المرتقب أن يقوم بها بعد حواره مع هاكوهين.
أبدى دافيد هاكوهين تشككًا حول سلوك نهرو المرتقب. وفي طريقه إلى مؤتمر باندونج مر الرئيس جمال عبد الناصر على كراتشي، ليحصل هناك على تأييد رئيس حكومة باكستان محمد علي حول مشروع قرار مصري سيتم طرحه في المؤتمر يدين "الإمبريالية الإسرائيلية"، وواصل من هناك إلى نيودلهي. كان على نهرو في البداية أن يحاول استمالة عبد الناصر كي يحضر المؤتمر. وفي نهاية فبراير عام 1955 سافر إلى القاهرة لمدة يومين لهذا الغرض. كان قرار عبد الناصر بالمشاركة في مؤتمر باندونج نقطة تحول كبيرة في حياته. وتحفظ نهرو في حديثهما من موقف عبد الناصر الذي طالب فيه بطرح "قضية الإمبريالية الإسرائيلية" في المؤتمر، كما طلب منه أن يُثني بقية الدول العربية عن طرح قضية فلسطين في المؤتمر. بل اقترح على عبد الناصر أن يتوسط شخصيًا بين مصر وإسرائيل. في النهاية خضع نهرو لطلب عبد الناصر. كان هاكوهين مقتنعًا منذ البداية أن نهرو لن يفي بتعهداته بعدم طرح موضوع إسرائيل في المؤتمر. فقد كان واثقًا أن نهرو سوف يخضع للضغوط التي سيمارسها عليه عبد الناصر ذلك لتطلعه إلى كسب ود العرب، وأن يشكل معهم جبهة موحدة في قضايا أخرى.
أعد مندوبو الدول العربية لمؤتمر باندونج جيدًا ؛ فقد عقد عبد الخالق حسونة -الأمين العام للجامعة العربية- مؤتمرًا للدبلوماسيين العرب في كراتشي، في 11 من أبريل، ؛ ليحددوا موقفًا موحدًا بالنسبة لقضية فلسطين (الإمبريالية الإسرائيلية) ومشكلة شمال أفريقيا، في مؤتمر باندونج المنتظر افتتاحه بعد حوالي أسبوع. كما بكَّر وزراء الخارجية العرب في الحضور إلى جاكرتا من أجل التنسيق فيما بينهم، والضغط على المشاركين في المؤتمر من أجل طرح القضية الفلسطينية على جدول أعمال المؤتمر.
افتتح رئيس إندونيسيا أحمد سوكارنو ورئيس حكومتها علي ساسطرواميد جوجو -الذي شغل كذلك منصب رئيس المؤتمر- مؤتمر باندونج في 18 من أبريل الذي استمر حتى 24 من نفس الشهر. شارك في المؤتمر 29 دولة، منها 14 دولة إسلامية. كما حضره مفتي القدس الحاج أمين الحسيني كعضو في وفد اليمن، أما أحمد الشقيري -الذي أصبح فيما بعد أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية- فقد شارك كعضو في الوفد السوري. قسّم المؤتمر نفسه إلى ثلاث لجان: سياسية، واقتصادية، وثقافية. ولقد اشتمل جدول أعمال المؤتمر البنود التالية: التعاون الاقتصادي، والتعاون الثقافي، وتقرير المصير، وحقوق الإنسان، ومشاكل الشعوب المستعبدة، والتعاون والسلام العالمي.
بدأ الهجوم العربي على إسرائيل في خطابات الجلسة الافتتاحية، وعلى رأسها خطاب الرئيس جمال عبد الناصر. كما حاول رئيس حكومة باكستان وضع قضية فلسطين كبند منفصل في جدول الأعمال، لكنه وافق في النهاية على ضمه في بند "تقرير المصير وحقوق الإنسان". لم تكن باكستان ولا الصين أقل من العرب في جهودهما لإدانة إسرائيل حول فلسطين. وكان موقف بورما الودود تجاه إسرائيل محل انتقاد عربي شديد. واقترح نهرو -بضغط من العرب- تشكيل اللجنة السياسية، لجنة فرعية لصياغة مقترح بشأن فلسطين في إطار بند "حقوق الإنسان". وكان أعضاء اللجنة الفرعية هم: أفغانستان وبورما، والصين، وباكستان، وإيران، والفلبين، وسوريا، وتايلاند. كما أعرب نهرو في خطابه عن تأييده التام للاجئين العرب، لكنه أشار أيضًا إلى معاناة اليهود أيام الحكم النازي. وذكر أن الهند ساندت الدول العربية أثناء النقاش الذي دار في الأمم المتحدة حول فلسطين. ودعا إلى تسوية الصراع بين العرب وإسرائيل عبر المفاوضات المباشرة ومباحثات السلام، وربما حتى عبر الوساطة.
كما أظهر رئيس حكومة الصين جو أن-لاي موقفًا مؤيدًا للعرب، وأعلن عن تأييده لمشروع القانون الذي تقدمت به أفغانستان، الذي دعا إلى تنفيذ قرار الأمم المتحدة الصادر في شهر ديسمبر عام 1948، والذي يقضي بضرورة السماح للاجئين بالعودة إلى منازلهم في أقرب وقت ممكن. كما أعلن عن مساندته التامة للاجئين العرب،  
دعا رئيس حكومة بورما أو نو الدول العربية إلى عدم محاولة فرض إصدار القرار على مؤتمر باندونج. وأعرب عن كامل تأييده للاجئين العرب. لكنه تساءل كيف سينجح مؤتمر شعوب آسيا وأفريقيا في حل مشكلة فلسطين إن كانت الأمم المتحدة قد فشلت في ذلك. ويرى أن الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وبريطانيا كانوا قادرين على حل مشكلة اللاجئين، لكنهم امتنعوا عن القيام بذلك. وأكد أو نو في خطابه على العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية الوطيدة بين بورما وإسرائيل، وعاد وأعرب عن معارضته مناقشة قضية فلسطين في المؤتمر نظرًا لأن إسرائيل غير ممثلة فيه.
لم تؤت جهود أو نو من أجل إسرائيل ثمارها، ففي 21 أبريل صدرت توصية في اللجنة السياسية -صدق عليها المؤتمر كقرار بعد ذلك بثلاثة أيام- في الجلسة الختامية للمؤتمر. ولقد حدد القرار:
"في ظل التوتر القائم في الشرق الأوسط على خلفية الوضع في فلسطين، وفي ظل الخطر المرتقب من هذا التوتر على السلام العالمي- أعلن المؤتمر الآسيوي-الأفريقي مساندته لحقوق الفلسطينيين، ودعا إلى تنفيذ قرار الأمم المتحدة حول فلسطين، وتسوية مشكلة فلسطين بالطرق السلمية."
وتم إقحام العبارة الأخيرة – "تسوية مشكلة فلسطين بالطرق السلمية" – بضغط من نهرو وأو نو اللذان لم يرغبا في إصدار هذا القرار منذ البداية ووافقا عليه في النهاية، خاصة أو نو- بعد تردد طويل. زعم أو نو بعدها أنه كان توافقًا ضروريًا للحفاظ على الوحدة الآسيوية الأفريقية، في الوقت الذي كان فيه مشروع القرار الذي تقدم به العرب ومؤيدوهم في الأساس أكثر شدة؛ حيث دعا مشروع القرار العربي -الذي أعدته مصر- إلى فرض شعوب آسيا وأفريقيا مقاطعة تامة على إسرائيل. أيَّد مندوبو إندونيسيا وأفريقيا المشروع، لكن عارضه مندوبو بورما والهند بشدة ونجحوا في التخفيف من حدته، كما لم يذكر اسم إسرائيل في القرار. ومن الصعوبات الأخرى التي واجهاها نهرو وأو نو فيما يخص هذا القرار؛ حقيقة أن قرار عودة اللاجئين كان قد صدر في حينه بواسطة رؤساء حكومات دول كولومبو الخمسة، وذلك في المؤتمر التحضيري في كولومبو. ولقد وافقوا عليه جميعًا في حينه، ولم يستطعا نهرو وأو نو الاعتراض عليه لأنهما قد وقعا عليه بأيديهما.
في 23 أبريل التقى جو أن-لاي بالمفتي الحاج أمين الحسيني وقال له إن الصين تؤيد كل التطلعات العربية، خاصة فيما يخص قضية فلسطين. وقال في خطابه في الجلسة الختامية للمؤتمر إن الشعب الصيني يُكِنُّ تأييدًا كبيرًا للفلسطينيين وكذلك لشعبي الجزائر وتونس، في نضالهما من أجل الاستقلال، كما يُساند نضالهما من أجل "حقوق الإنسان", وتحفظ فقط من الاعتماد على قرار الأمم المتحدة. كما جرت في المؤتمر اتصالات بين مصر والصين، كان لها أثر كبير على العلاقات الإسرائيلية الصينية، في السنوات التالية.
أما الوفود الأفريقية ووفود بلدان آسيا الأخرى -اليابان، والفلبين وتايلاند، وسيلان- فلم تشارك تقريبًا في الجدل حول فلسطين. وكانت الفلبين قد وعدت إسرائيل بالفعل إنها ستساند موقفها بعدم إجراء أي نقاش في المؤتمر بدون مشاركة إسرائيل، لكنها لم تتصرف في هذا الخصوص. وأعرب نائب رئيس الوفد الياباني في المؤتمر عن أسفه الشديد للقرار الذي صدر حول فلسطين، وزعم أن وفده لم يستطع فعل شيء؛ لأن العرب أصرُّوا بقوة على مطالبهم.  
كان رد فعل وزارة الخارجية الإسرائيلية على قرارات مؤتمر باندونج بخصوص فلسطين قاسيًا؛ فقد وصفه شاريت بـ"الانهيار". وتقرر بعد مشاورات أن يرسل رئيس الحكومة ووزير الخارجية موشِه شاريت برقية إلى رئيس المؤتمر. لم يتم صياغة البرقية على أنها احتجاج صريح، بل استنكار لعدم النزاهة التي ظهرت في المؤتمر، كُتب فيها:
"أنا مضطر للتعبير عن دهشة حكومة إسرائيل وأسفها الشديدين من المؤتمر الأفروآسيوي، الذي -على الرغم من مبادئه العامة والمساواة الدولية التامة- قد أوصد أبوابه صراحة أمام إسرائيل، واعتبر أنه من المنطقي والمفيد -في ظل غياب إسرائيل- مناقشة واتخاذ قرارات حول قضايا ذات أهمية كبيرة بالنسبة لمستقبل إسرائيل وعلاقاتها مع دول الجوار. سأكون ممتناً لو أنك عرضت صيغة هذه البرقية على المؤتمر."
كما شعر شاريت بالخزي والضرر الشديدين بسبب نتائج مؤتمر باندونج، وبحث عن وسيلة مناسبة للرد. ولقد رفض مقترحًا طُرح في وزارة الخارجية بكتابة رسالة إلى نهرو، لكنه وافق على إرسال رسالة إلى أو نو عَبْر دافيد هاكوهين.
 جسد مؤتمر باندونج عملية يقظة شعور آسيا وأفريقيا وانضمامهم إلى معتركات نشاط الحياة الدولية. ولقد سُمح بهذه العملية فقط مع انهيار الإمبراطوريات الاستعمارية -بعد الحرب العالمية الثانية- والتوجه التدريجي لشعوب آسيا وأفريقيا نـحو الاستقلال. فقد تطلع ممثلو هذه الشعوب الذين اجتمعوا في باندونج إلى التخلص من ورطة الصراع الذي دار بين الدول الغربية برئاسة الولايات المتحدة من جانب، وبين العالم الشيوعي بزعامة الاتحاد السوفيتي والصين -قبل الانفصال بينهما- من جانب آخر. وتطلع كل من نهرو وسوكارنو وآخرون إلى بناء تكتل دولي مستقل محايد، عُرف فيما بعد بـ"العالم الثالث".
حاول منظمو مؤتمر باندونج تقييد مناقشات المؤتمر بالقضايا العامة التي يستطيع الجميع من خلالها اتخاذ موقفًا موحدًا. لذلك حددوا أيضًا أن على كل القرارات أن تُتخذ بالإجماع فقط. وكان في مقدور المشاركين في المؤتمر العثور على صيغ متفق عليها لختام نقاشاتهم للقضايا الأساسية. ولقد صيغت هذه المبادئ الأساسية في حوالي "عشرة مبادئ من أجل تحقيق السلام العالمي"، وهي التي صدرت بالإجماع في إحدى الجلسات الختامية للمؤتمر، والتي شكلت توافقًا بين الدول المؤيدة للغرب وبين الصين الشعبية. والنقاط العشرة هي:
  1. احترام حقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة.
  2. احترام السيادة والحدود الإقليمية لكل أمة وأمة.
  3. الاعتراف بالمساواة بين كل الأعراق والقوميات.
  4. عدم التدخل في شؤون أي دولة.
  5. حق كل دولة في الدفاع عن نفسها، بمفردها أو بشكل جماعي، بما يوفق ميثاق الأمم المتحدة.
  6. الامتناع عن المشاركة في أي حلف دفاعي -مرتبط بتكتل دولي- والامتناع عن ممارسة ضغط على الدول الأخرى.
  7. الامتناع عن وسائل التهديد والعدوان أو استخدام القوة ضد أي دولة.
  8. تسوية كل الصراعات الدولية بالوسائل السلمية.
  9. التعاون الاقتصادي والثقافي.
  10. احترام التزامات العدل الدولي.

    تطلع رئيس حكومة الهند إلى الامتناع عن مناقشة المسائل السياسية المثيرة للخلاف لدى دولة أو أخرى. وكان لـ أو نو نفس الرأي؛ لكنهما لم يستطعا ذلك وصدرت قرارات حول موضوعات ترتبط بدول لم تشارك في المؤتمر، مثل: تأييد حق شعوب الجزائر وتونس والمغرب في تقرير المصير والتحرر من الحكم الفرنسي. وتأييد مطالب إندونيسيا بضم غرب غينيا الجديدة (إيريان جايا – من الجزر الإندونيسية)، التي كانت لا تزال تحت السيطرة الهولندية. والاحتجاج على التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا. وتأييد موقف اليمن في مسألة عدن ومناطق أخرى وغيرها تحت الحماية البريطانية. وقبل كل ذلك قضية فلسطين. والأمر الذي له أهمية حقيقية في كل هذا الأمر هو انعقاد المؤتمر نفسه. فقد تأسست فيه حركة دول عدم الانـحياز التي أصبحت ذات أهمية كبيرة في الحياة الدولية حتى انهيار الاتحاد السوفيتي في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات.
ومن ناحية إسرائيل، من المهم التأكيد على أن العرب تمتعوا في مؤتمر باندونج بمكانة قوية على وجه الخصوص وبالأولوية العددية. وهناك شك في إن كان في حضور الوفد الإسرائيلي للمؤتمر -حتى لو تمت دعوتها- ما سيغير هذه الحقيقة الأولية. ويظهر ذلك في تاريخ مكانة إسرائيل في الأمم المتحدة, وفي كل المنظمات الدولية الأخرى بشكل مستمر.
وكانت الدول العربية منقسمة فيما بينها في العديد من القضايا التي تمت مناقشتها في المؤتمر، لكن ليس حول قضية فلسطين التي منـحتهم الفرصة في أن يظهروا كجبهة موحدة، استمتعت بالتأييد التلقائي للدول الإسلامية الأخرى. فقد حقق العرب في مؤتمر باندونج نصرًا سهلًا؛ لأن نهرو وجو أن لاي والزعماء الآسيويين الآخرين احتاجوا إلى مساندة العرب في قضايا مختلفة أخرى. ومنذ ذلك الوقت أصبح العرب هم العنصر المسيطر في تكتل الدول الأفروآسيوية في الأمم المتحدة وعلى الساحات الأخرى، وأصبح عبد الناصر إحدى الشخصيات المركزية في هذا التكتل.
منـح مؤتمر باندونج الدول العربية ميزتين مهمتين عن إسرائيل. الأولى: كان صفعة لمكانة إسرائيل في آسيا أدت إلى تأخير عملية إقامة علاقات بينها وبين دول آسيا لعشرات السنين. الثانية: أقامت مصر ودول عربية أخرى، خلال عام من المؤتمر، علاقات دبلوماسية مع كل من إندونيسيا، وبورما، والهند، واليابان، والأهم مع الصين الشعبية.
لقد كان مؤتمر باندونج الخط الفاصل أو الضربة القاسمة بين إسرائيل ودول العالم الثالث. ولقد اعتبره موشِه شاريت "مظاهرة جديدة لعزل إسرائيل وتكوين جبهة طويلة ضدنا تضم معظم الجنس البشري". وذكر أن جهود أو نو أو لم تساعد في المؤتمر. ولقد خشي "من تزايد مشاعر عزلة إسرائيل وتنكر العالم كله لها".
نجح شاريت في أعقاب الإحساس بالسقوط في باندونج في الحصول على موافقة الحكومة على إقامة علاقات دبلوماسية مع الصين، بحجة أن إقامة مثل هذه العلاقات سيكون "تعويضًا عن أضرار مؤتمر باندونج" .
في النهاية، لم يمس مؤتمر باندونج، مع مرور الوقت، العلاقات الثنائية التي كانت قائمة بين إسرائيل وبين بعض الدول الآسيوية، وبإقامة علاقات مع دول أخرى؛ لكنه وضع مبدأ أن إسرائيل غير مقبولة في أي منتدى للعالم الثالث ودول عدم الانـحياز.
من هنا يعتبر مؤتمر باندونج نقطة فارقة في تاريخ الدبلوماسية الإسرائيلية حيث زاد من عزلة إسرائيل دبلوماسيًا, وكان له كبير الأثر في تشكيل سياسة إسرائيل الخارجية للسنوات التالية له.

الجمعة، 24 أبريل 2015

العلاقات الاسرائيلية الايرانية

العلاقات الاسرائيلية الايرانية

العلاقات الإسرائيلية الإيرانية بين ماض مزدهر ومستقبل غامض

isran

عمرو زكريا خليل
باحث في الشؤون الإسرائيلية

تشهد مدينة لوزان مباحثات بين إيران والغرب من أجل التوصل إلى اتفاق حول مشروع إيران النووي. في الوقت الذي أعرب فيه بنيامين نتنياهو عن مخاوف إسرائيل من هذا الاتفاق، خشية أن تطور إيران قدراتها النووية وتصبح قوة نووية تهدد الوجود الإسرائيلي.
تُعتبر المسألة النووية الإيرانية هي الشغل الأمني الشاغل للحكومات الإسرائيلية منذ إعلان إيران عن برنامجها النووي، ويُلاحظ الجميع مدى العداء الشديد بين الدولتين. وهذا ما دفعني إلى بحث تاريخ العلاقات الإيرانية الإسرائيلية. وقد لا يعلم الكثيرون أنه على الرغم من هذا العداء الشديد الظاهر بين البلدين إلا أنه كانت بينهما علاقات وطيدة لفترة طويلة. وسأعرض فيما يلي بشكل مختصر للعلاقات الإسرائيلية الإيرانية في الفترة بين 1949-1979.
قبل إعلان قيام دولة إسرائيل (1949) كان لإيران موقفان سلبيان في قضيتين مهمتين:
 القضية الأولى: الموقف الإيراني من لجنة الأمم المتحدة بخصوص أرض فلسطين والمعروفة بـ United Nations Special Committee on Palestine اختصارا UNSCOP وهي اللجنة التي تشكلت عام 1947، بعد أن نقلت إنجلترا ملف فلسطين للأمم المتحدة لحل المشكلة الفلسطينية. وكانت 11 دولة ممثلة في هذه اللجنة (أستراليا، كندا، تشيكوسلوفاكيا، هولندا، بيرو، السويد، أورجواي، جواتيمالا، الهند، إيران، يوغوسلافيا). اقترحت الدول الثمانية الأولى تقسيم أرض فلسطين لدولتين: عربية ويهودية. أما إيران والهند (عبر ممثلها المسلم) ويوغوسلافيا،  فقد اقترحوا إقامة اتحاد فدرالي في فلسطين مع السماح بهجرات يهودية محدودة.
القضية الثانية: في التصويت في الأممم المتحدة -29 نوفمبر 1947- حول مشروع تقسيم فلسطين؛ حيث صوتت إيران ضد المشروع مع اثني عشر دولة أخرى (منهم ست دول عربية، إلى جانب كل من تركيا وأفغانستان وباكستان، والهند واليونان وكوبا).
    رغم إعلان دولة إسرائيل إلا أن إيران لم تتسرع في الاعتراف بها، وإقامة علاقات معها. وفرَّ من فلسطين، في فترة النزاع المسلح 1947-1948، الكثير من الإيرانيين (خاصة البهائيين) ووُضعت أملاكهم تحت الوصايا. فطالبوا بتدخل الحكومة الإيرانية من أجل استعادة أملاكهم؛ فأرسلت إيران إلى إسرائيل (مارس 1949) مبعوثًا غير رسمي، عباس سياكال، الذي أصبح المسؤول عن المطالبة باستعادة ممتلكات الإيرانيين في فلسطين.
بعد أن أشارت إسرائيل لإيران إلى أن تطبيع العلاقات الدبلوماسية بينهما سوف يسرع من تلبية المطالب الإيرانية، حدث بعض التقدم. ففي شهر مارس 1950 أعلنت إيران اعترافها غير الكامل (دي فاكتو[i])، بإسرائيل. وأرسلت إلى إسرائيل ممثل رسمي على مستوى الوزير المفوض يدعى رضا صافينايا، بدرجة "ممثل خاص" وهو التمثيل المتبع في حالة الاعتراف غير الكامل. وكان مقره في القدس في مبنى القنصلية الإيرانية فترة الانتداب البريطاني. وفي المقابل عينت إسرائيل ممثلها في تركيا، إلياهو ساسون، ممثلا غير مقيم في طهران.
في تلك الفترة كان هناك إسرائيليون يعملون على تهجير اليهود من إيران والعراق، وكانوا في نفس الوقت قناة للتواصل بين البلدين.
وفي يوليو 1951 قرر محمد مصدق، رئيس الحكومة الإيرانية آنذاك، إغلاق الممثلية الإيرانية في القدس؛ حيث تمنى أن يساعد ذلك على الحصول على تأييد الدول العربية والإسلاميية والأصوليون الإسلاميون في إيران. أما على المستوى الرسمي فقد برر ذلك بوجود صعوبات مالية. لكن الحكومة الإيرانية لم تحقق مرادها من ذلك. وتوصل شاه إيران, محمد رضا بهلوي, إلى استنتاج أن مصلحة بلده تلزمه توطيد علاقاته مع إسرائيل، لكنه قرر أن تبقى هذه العلاقات سرية، كي لا يثير العالم العربي والإسلامي ضده.
وصل أول ممثل إسرائيلي في إيران، تسفي دوريئيل،  في بداية عام 1956، تحت غطاء ممثل شركة تجارية باسم "إيريس" اختصار IRAN-ISRAEL. وخصص له مبنى خاص لكن لم يرفع عليه العلم الإسرائيلي. وسرعان ما تطورت العلاقات بين البلدين وأصبحت إيران أكبر مزود للنفط لإسرائيل، عبر ميناء إيلات. كما استخدمتها إيران كميناء لتصدير النفط الايراني لبعض دول أوروبا. كما زادت الصادرات الاسرائيلية لإيران. وافتتحت شركة طيران "العال" خط طيران مباشر بين إسرائيل وطهران. كما سمحت إيران بمشاركة إسرائيل في المؤتمرات الدولية التي عقدت على أراضيها. وتوطد كذلك التعاون العسكري فيما بينهما.
      طلبت إيران من سويسرا، عام 1958، أن تقوم بتمثيل مصالحها في إسرائيل. وفي عام 1960 عُين دبلوماسي إيراني في السفارة السويسرية في إسرائيل. غير أن التغييرات السياسية التي شهدتها المنطقة في تلك الفترة (الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا؛ والانقلاب العسكري في العراق؛ والتدخل العسكري الأمريكي البريطاني في لبنان) أدت إلى تفكير إسرائيل في توطيد علاقاتها مع الدول غير العربية في المنطقة: إيران، تركيا، إثيوبيا. وكانت هذه الدول قلقة من الوحدة بين مصر وسوريا، وكذلك من زيادة النفوذ السوفيتي في المنطقة.
وعلى الرغم من وجود علاقات إسرائيلية إيرانية إلا أن إسرائيل رغبت في أن تكون هذه العلاقات علنية وليست سرية. وبذلت جهودًا كبيرة من أجل إقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين البلدين. ونجحت هذه الجهود عندما قرر شاه إيران (مايو 1960) الاستجابة لمطالب إسرائيل، لكنه أراد التمهل في ذلك لدراسة ردود الفعل العربية على ذلك. وفي 24 يوليو 1960 أجاب الشاه، في مؤتمر صحفي عن سؤال حول العلاقات الإيرانية الإيرانية الإسرائيلية؛ حيث قال أن إيران اعترفت بإسرائيل وكان بها ممثلية إيرانية أُغلقت لأسباب مادية؛ غير أن الاعتراف الإيراني بإسرائيل باقٍ. أثارت هذه التصريحات غضب الرئيس جمال عبد الناصر الذي بادر بقطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران (استأنفت العلاقات في سبتمبر 1970 بعد فترة قصيرة من وفاة عبد الناصر)،
لكن الدول العربية الأخرى لم تتخذ نفس الخطوة. مما دفع الشاه إلى التراجع عن فكرة تطبيع العلاقات مع إسرائيل كي لا يسيء إلى علاقاته بالدول العربية الأخرى.
    بعد سنوات حاولت إسرائيل مجددًا طرح مسألة علنية العلاقات غير أن الردود الإيرانية كانت سلبية. وأخبرهم الإيرانيون بإذا ما كانت إسرائيل ترغب في وجود علاقات دبلوماسية كاملة بدون أي مضمون حقيقي لهذه العلاقات؛ أم وجود علاقات سرية لكن قوية ومتينة؟
      وصف بن جوريون، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، العلاقات الاسرائيلية الايرانية في جلسة بالكنيست الاسرائيلي "بعلاقات صداقة غير رسمية، لكنها أيضًا غير خفية… هذه الصداقة موجودة وقائمة، ومبنية على الفائدة المشتركة نتيجة التعاون فيما بينهما."
ويمكن تلخيص التعاون بين البلدين فيما يلي:
  1. الهجرة: كانت إيران دولة ممر للهجرة اليهودية من العراق. حيث منعت العراق هجرة اليهود منها إلى إسرائيل (باستثناء 1950-1951، في العملية المعروفة باسم عزرا ونحميا).
  2. التزود بالنفط: أصبحت إيران كما ذكرنا المزود الرئيس لإسرائيل بالنفط.
  3. التعاون في مساعدة التمرد الكردي ضد الحكومة العراقية: وصل هذا التعاون إلى نهايته عام 1975 بعد أن توصلت كل من إيران والعراق إلى اتفاق فيما بينهما.
  4. النواحي الاقتصادية والتدريب: ساعد ارتفاع أسعار النفط إيران على القيام بعملية تنمية موسعة، شاركت فيها إسرائيل؛ حيث عملت الشركات الإسرائيلية في طهران ومدن أخرى. وأقام في إيران في العام الأخير من حكم الشاه حوالي 500 إسرائيلي. كما كانت هناك مدرسة إسرائيلية  للأطفال الإسرائيليين درس فيها حوالي 200 تلميذ.
وصلت الصادرات الإسرائيلية لإيران في نفس العام (1978) إلى أكثر من 225 مليون دولار بما في ذلك الصادرات الأمنية (حوالي 7% من الصادرات الإسرائيلية لنفس العام). ولقد شملت هذه الصادرات: الميكنة الزراعية، التكييفات، الأسمنت، المنسوجات، معدات تحلية المياه، الأجهزة الإلكترونية، أنظمة الاتصالات. ولقد أدت زيادة الصادرات إلى إنشاء خط "تسيم" الملاحي التجاري بين إيلات والموانيء الإيرانية. كما شارك الكثير من الإيرانيين في دورات تدريبية في إسرائيل. كما قام الخبراء الإسرائيليون بزيارة إيران.

غير أن اندلاع الثورة الإيرانية، فبراير 1979، قد أوقف هذه العلاقات. وجعل الثوار الإيرانيون إسرائيل والولايات المتحدة هدفًا للتحريض ضدهما. ولم يكتفوا بذلك بل هاجموا كل من أقام علاقات مع إسرائيل خاصة من الدول العربية؛ فقطعت إيران الخوميني علاقاتها مع مصر واعتبرتها عدوة للإسلام لتوقيعها معاهدة سلام مع إسرائيل. كما جمدت علاقاتها مع منظمة التحرير الفلسطينية وعرفات بعد توقيع الأخير على اتفاقيات أوسلو مع إسرائيل. لكن أكثر تعبير عن عداء إيران الثورة لإسرائيل كان في مساندة حزب الله الشيعي اللبناني، بالتنسيق مع سوريا.
شهدنا في هذا الاستعراض تاريخ العلاقات الإيرانية الإسرائيلية حتى الثورة الإسلامية الإيرانية. والسؤال هو: هل من الممكن أن تعود هذه العلاقات إلى سابق عهدها في حال تغيير نظام الحكم الإسلامي في إيران؟ أم أنها ستصل إلى حد المواجهة العسكرية فيما بينهما؟ هذا ما سيخبرنا به المستقبل.
      
[i] : dē factō؛ "في العمل"، بحكم [الأمر] الواقع. هو تعبير يعني أن الأمر مطبق على أرض الواقع لكنه ليس بالضرورة مذكورا ومنظما من قبل القانون الساري. والمصطلح المضاد له هو دي يوري