الخميس، 19 ديسمبر 2013

العلاقات الإسرائيلية الهندية

العلاقات الهندية الاسرائيلية
إعداد/ عمرو زكريا خليل
مقدمة
سنحاول فى هذه الدراسة التطرق إلى العلاقات الاسرائيلية الآسيوية ومحاولة الإجابة عن بعض الأسئلة مثل: ما هى طبيعة العلاقات الإسرائيلية الآسيوية وما سبب التحول الذى شهدته هذه العلاقات؟ ما طبيعة العلاقات الهندية الإسرائيلية؟ وما هو تاريخ هذه العلاقات والأسباب التى ساهمت فى تطويرها؟ وما هى الأهداف الإسرائيلية والهندية من هذه العلاقات؟ وما هو الموقف الهندى والإسرائيلى من القضايا المشتركة؟ ما طبيعة التعاون العسكرى الإسرائيلى الهندى، خاصة التعاون النووى؟ وما هى أهم سمات هذه العلاقات؟

العلاقات الإسرائيلية الآسيوية
امتازت العلاقات الاسرائيلية الآسيوية بالسمات التالية:
1- لم تكن إسرائيل حتى الثمانينيات ، على عكس الوضع فى أوربا وأمريكا الشمالية، معروفة لدول آسيا، فقد صعب عليها أن تحظى بالاعتراف الدبلوماسى الآسيوى، ويقول موشية شارات وزير الخارجية فى هذا الخصوص "أن الدول الآسيوية لم تعرف إسرائيل نظراً للفروق الدينية العميقة؛ فاليهودية والمسيحية تقومان على الإيمان بإله واحد فى مقابل الوثنية التعددية فى آسيا. ولقد انتشرت الديانة المسيحية فى آسيا لأنها ديانة تبشيرية". ذلك علاوة على وجود عدد قليل جداً من اليهود فى آسيا على عكس أمريكا الشمالية وأوربا.

2-  كانت اليهودية فى نظر المثقفين الآسيويين آداة استعمارية من أجل طرد العرب، كما كانت آسيا بعيدة عن الحركة الصهيونية التى كانت مرتبطة أكثر بأوربا والولايات المتحدة ولم تبذل جهداً فى توطيد العلاقات مع الشرق الأسيوى.

3-  الإنحياز الايديولوجى وعلاقات اسرائيل الوطيدة مع دول الغرب .

4- أحاط الإحساس بالتضامن الاسلامى كل الدول المسلمة فى آسيا وأثر أيضا على دول المنطقة. ولقد شعرت آسيا بالتضامن مع الدول المسلمة فى الشرق الأوسط بسبب الأقليات العربية التى كانت بينها. ولقد رسمت مشكلة اللاجئين صورة سيئة لاسرائيل فى نظر الآسيويين، وكان شرط العرب للمشاركة فى المحافل الآسيوية مساعدتهم فى حربهم مع اسرائيل.

لقد رأت إسرائيل فى آسيا هدفا طيباً لاقامة علاقات معها غير أن الآسيويين لم يكترسوا لمثل هذه العلاقات. ولقد توجهت إسرائيل بعد إعلانها إلى الدول الآسيوية راغبة فى اقامة علاقات دبلوماسية معها، ولقد رأى بن جوريون فى آسيا نوعاً من التنمية، واعتقد أن إسرائيل ستعتبر بالنسبة لشعوبها نموذجاً للمحاكاة وأنها سوف تساعدهم.

نقطة التحول فى العلاقات الإسرائيلية الآسيوية
مؤتمر باندونج
فى بداية الخمسينيات تم تكوين تكتل آسيا أفريقيا من 15 دولة من الدول الأعضاء فى الأمم المتحدة، ولقد عقدت لقاءات خاصة بينها. ولقد أرادت إسرائيل أيضاً الانضمام اليها لكن العرب عارضوا ذلك بشدة. وفى عام 1956 وصل التكتل الى 28 دولة وهو يعتبر أكبر تكتل فى الأمم المتحدة، وله قوة كبيرة فيها.
ولقد قامت أندونسيا فى أغسطس 1953 بالدعوة إلى عقد مؤتمر لبعض شعوب آسيا وأفريقيا لتشكيل تكتل ثالث محايد – فى سنوات الحرب الباردة، وفى ديسمبر 1954 تم عقد مؤتمر تجهيزى تقرر فيه أن المؤتمر سوف يعقد فى باندونج فى 18 أبريل 1955 وقرروا أى من الدول سوف تتم دعوتها إلى المؤتمر وأن إسرائيل وأستراليا ليستا من المدعويين (لمعارضة العرب).
أصبح الخضوع للمقاطعة العربية سابقة فلم تشارك إسرائيل فى أى مؤتمر لدول أفريقيا وآسيا، حيث كانت القضية هى كيف ستتم إدانة إسرائيل فى ذلك المؤتمر. كما زاد هذا المؤتمر من الادراك لدى متخذى القرار فى إسرائيل أن كراهية العرب لاسرائيل هى العائق فى طريق تحسين مكانتها فى آسيا.
كان يوجد فى آسيا ثلاثة أنواع من الدول التى تحفظت من إسرائيل: دول مسلمة (أندونسيا، ماليزيا، باكستان، بنجلاديش)، الدول الشيوعية (الصين، منغوليا وكوريا الشمالية)، الدول التى تفضل التقرب من الدول العربية والدول غير المؤيدة لاسرائيل (الهند، اليابان).
وفى أبريل 1956 جرت مشاورات فى وزارة الخارجية الاسرائيلية تقرر على إثرها استغلال أى فرصة كى يتم تمثيل إسرائيل فى كل دولة أسيوية: سفير فى سيرلانكا، وبورما، ودلهى، وتشجيع الزيارات المتبادلة. وفى نهاية الستينيات تم افتتاح سفارات فى كل من بورما وتايلاند، وممثلين فى سريلانكا وممثل غير مقيم فى نيبال وكمبوديا ولاوس، وقامت إسرائيل باقامة علاقات تجارية مع دول جنوب شرق آسيا والصين وسنغافورة.

بعد حرب 1973 اتضح لاسرائيل أنه تم فرض حظر نفظى على الدول الاسيوية الصناعية؛ مثل غرب أوربا واليابان، كى تضغط على الولايات المتحدة لتمارس بدورها الضغط على إسرائيل من أجل تقديم تنازلات للعرب. ولقد كانت اليابان تحت الوصاية الامريكية ولم تكن جزءا من مجموعة الدولة الاسيوية.
وفى 1978 تم التوقيع على اتفاق كامب ديفيد الذى اعتبر خطوة أولى لحل الصراع العربى الاسرائيلى. وفى الثميانينيات كان لا يزال لاسرائيل علاقات دبلوماسية مع 7 دول من اجمالى 28 دولة آسيوية وهى (اليابان، كوريا الجنوبية، الفلبين، تايلاند، سنغافورة، بورما ونيبال) والهند على المستوى القنصلى. ولقد حدث التغيير فى الثمانينيات فماذا كان السبب وراء ذلك؟
 1. من ناحية الدول الآسيوية، هناك تطور اقتصادى لليابان والصين والهند وكوريا الجنوبية حيث شهدت دفعة اقتصادية أثرت على السياسة الخارجية التى أبدت استعدادا أكبر لاقامة علاقات اقتصادية مع اسرائيل.

2. أثر انهيار الاتحاد السوفيتى فى 1991 على العلاقات مع اسرائيل حيث لم يوجد تنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى، ولقد سهل ذلك على دول عدم الانحياز من أجل اقامة علاقات مع اسرائيل.

3. فى أعقاب حرب الخليج الأولى ودعوة ممثلين من كل دول العالم إلى مؤتمر دولى للسلام فى مدريد بين العرب واسرائيل، كان لاسرائيل شرط وهو أن الدول التى ستشارك فى المؤتمر يجب أن تكون لها علاقات دبلوماسية مع اسرائيل، مما دفع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع اسرائيل.

العلاقات الهندية الاسرائيلية
اعترفت الهند باسرائيل عام 1950 وذلك بعد اغتيال غاندى، لكنها رفضت اقامة علاقات دبلوماسية معها. ولقد شرعت الهند منذ عام 1952 بمناقشة الخطوات المطلوبة لاقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين، إلا أن المتغيرات الاقليمية والدولية حالت دون ذلك، خاصة مشاركة الهند مع مصر ويوغوسلافيا فى حركة عدم الانحياز والصداقة الشخصية التى ربطت نهرو بجمال عبد الناصر، وحالة الانقسام الدولى بين المعسكرين الشرقى والغربى والعلاقات الطيبة بين الهند والاتحاد السوفيتى وربط معظم الزعماء الهنود فى حزب المؤتمر الحاكم بين المشروع الصهيونى والاستعمار الغربى.
ولقد قامت إسرائيل بفتح مكتب تجارى لها فى بومباى ما لبث أن تحول إلى قنصلية فى شهر يونية عام 1953، ولقد عملت إسرائيل كثيراً على تحسين علاقاتها مع الهند إحدى الدول الكبرى لدول عدم الانحياز لكنها لم تنجح كثيراً فى ذلك.
ولقد امتنعت الهند عن الاستجابة لطلبات اسرائيل بإقامة علاقات دبلوماسية كاملة بسبب الضغوط العربية التى مورست عليها وتبنيها سياسة مناهضة لإسرائيل تماشت مع عضويتها فى دول عدم الانحياز.
مع ذلك لم تمنع هذه المعطيات من حدوث تعاون خفى بين البلدين خاصة فى المجالات الأمنية والدفاعية على غرار صفقة الأسلحة التى حصلت عليها الهند من إسرائيل أثناء الحرب التى خاضتها ضد الصين عام 1962، كما حصلت على مساعدات عسكرية أثناء حربها مع باكستان (1965-1971). ولقد ردت الهند المعروف لإسرائيل فى حرب 1967 بارسالها كميات ضخمة من قطع غيار مركبات القتال إلى إسرائيل. لكن على الرغم من التعاون المحدود لأجهزة الاستخبارات فى البلدين -على مر السنين حتى معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979-  فإن ذلك لم يسهم فى الحد من العداء الرسمى الذى أظهرته النخبة السياسية الهندية تجاه إسرائيل، ولم يؤد  هذا التعاون إلى تغيير موقف نيودلهى من إسرائيل؛ حيث اعتبرت إسرائيل فى الستينيات من حلفاء الولايات المتحدة مما منع إقامة علاقات طيبة مع الهند التى أبدت شكوكها من السياسة الخارجية الأمريكية.
غير أن التحول فى الموقف الهندى تجاه إسرائيل قد جاء بعد التغييرات التى شهدتها المنظومة الدولية مع انتهاء الحرب الباردة؛ حيث شعرت الهند أنها معرضة للخطر من الناحية الاستراتيجية بعد انهيار حليفها- الاتحاد السوفيتى -علاوة على  انخفاض المصدر الرئيسى للتأييد الدبلوماسى والتكنولوجيا العسكرية، مما اضطر الهند إلى إعادة تقييم سياسيتها الخارجية خاصة مع إسرائيل. كما ساهمت كذلك التغييرات فى السياسة الداخلية الهندية فى تطوير العلاقات بين البلدين؛ حيث ساعد صعود حزب بهراتيا جاناطا BJP على القضاء على التردد الهندى بالنسبة لفكرة اقامة علاقات مع اسرائيل؛ حيث كانت الرؤية الوطنية الهندية للحزب أن الدولة اليهودية ليست عبئاً دبلوماسياً بل حليفاً محتملاً فى مواجهة باكستان والاسلام المتشدد. كما كان تطبيع العلاقات بين البلدين نتيجة للتحرر الاقتصادى الذى قام به ناراسيما راو رئيس الحكومة من حزب المؤتمر. فقد كانت السياسة التى اتبعها هى تشجيع العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية الهندية مع الغرب.
وفى يناير 1992 أعلنت الهند عن إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل وربطت هذا الاعلان بالزيارة المرتقبة لرئيس الحكومة راو للولايات المتحدة، وذكرت نيودلهى أن الاتفاق مع اسرائيل من شأنه أن يساعد على خلق جو طيب فى الولايات المتحدة بعد التقارب بين الهند وإسرائيل. وبهذه الصورة توحدت الرؤى الداخلية والخارجية فى الهند بالنسبة لهذه العلاقات. ولقد سبق هذه الخطوة تصويت الهند فى عام 1991 لصالح إسرائيل من أجل الغاء القرار رقم 3379 الصادر فى الامم المتحدة عام 1975 والذى يعتبر الحركة الصهيونية شكل من أشكال العنصرية، ولقد شكل الموقف الهندى أول خطوة فى مسيرة العلاقات الهندية الإسرائيلية العلنية فى التسعينيات.

توطيد العلاقات بين البلدين
بعد رفع مستوى العلاقات الدبلوماسية بين الهند وإسرائيل إلى مستوى السفارات بدأت الزيارات المتبادلة بين كبار المسئولين فى البلدين والتى هيأت للتعاون الوطيد بين البلدين فى كثير من المجالات.
وتعتبر أول زيارة مهمة للهند من الناحية السياسية هى زيارة الرئيس الإسرائيلى عيزر فايتسمان فى ديسمبر 1996 للهند، والتى رمزت إلى دفء العلاقات الثنائية الجديدة بين البلدين. كما انعكس تقارب البلدين أكثر وأكثر فى الزيارة التاريخية التى قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلى أريئيل شارون للهند فى سبتمبر 2003 وهى أول زيارة يقوم بها رئيس وزراء إسرائيلى للهند، ولقد كانت هذه الزيارة فرصة لتعزيز التفاهم الثنائى بين الطرفين على مستويات رفيعة من أجل دفع العلاقات بين المؤسسات الأمنية والعلاقات التجارية بين البلدين.
وعلى الصعيد الاقتصادى وقع البلدان على اتفاقيات تجارية مختلفة، كما بدأت الرحلات الجوية المباشرة بين البلدين مما سهل دفع العلاقات الاقتصادية والسياحية بينهما. وفى حين ارتكزت العلاقات التجارية بين البلدين فى البداية على قطاعات ألماس والزراعة إلا أنها تطورت اليوم لتزدهر فى مجالات التكنولوجيا المتقدمة والكيماويات والأدوية. ولقد وصل حجم التبادل التجارى فى عام 2007 إلى 3.3 مليار دولار فى مقابل 202 مليون دولار عام 1992. وتحتل الهند المرتبة الثالثة فى استيراد السلاح الاسرائيلى بعد الصين وتركيا. وبمفاهيم القوى الشرائية تعتبر الهند رابع أكبر اقتصاد فى العالم بعد الولايات المتحدة والصين واليابان وتعتبر من أسرع الاقتصادات نموا فى العالم فهى تقدم وفرة من الفرص التى يدركها رجال الأعمال الإسرائيليين جيداً. ولقد لعب مركز التعاون الدولى التابع لوزارة الخارجية الاسرائيلية دوراً مهماً فى اقامة نشاطات مختلفة بين البلدين؛ مثل تبادل المتدربين فى مجالات الزراعة والتعليم والادارة، كما تطورت العلاقات الثقافية بين البلدين. والمفارقة هى أن هذا التعاون لم يؤثر كثيراً على العلاقات الهندية العربية؛ بعد أن أصبح من الصعب على العرب مطالبة الآخرين بتحجيم علاقاتهم مع إسرائيل فى حين يقيم العديد من الدول العربية علاقات سياسية واقتصادية وعسكرية معها، لاسيما فى أعقاب اتفاقى أوسلو مع السلطة الفلسطينية ووادى عربة مع الأردن ومعاهدة السلام مع مصر.
لقد ساهم القرار الأمريكى فى عام 1999 برفع معظم العقوبات التى فرضت على الهند فى أعقاب اجراءها لتجربة نووية فى 1998 فى ازالة عقبة حقيقية فى العلاقات بين الهند وإسرائيل ومهدت الطريق أمام توطيد أكبر للعلاقات. كما هيأت هجمات 11 سبتمبر مناخاً سياسياً مناسباً للتعاون الاستراتيجى الهندى الإسرائيلى. ذلك علاوة على اعتقاد الهند أن السلطة الفلسطينية غير قادرة على الاستمرار فى عملية السلام مما أدى إلى تقليص الخلاف بين إسرائيل والهند فى موضوع القضية الفلسطينية.
لقد تعرضت العلاقات الهندية الاسرائيلية لاختبارات سياسية داخلية حقيقية؛ فبعد انتخابات مايو 2004 صعد إلى سدة الحكم فى الهند ائتلاف حزبى يسمى التحالف المتقدم الموحد بزعامة حزب المؤتمر، وعلى الرغم من أن مكونات الحكومة الجديدة كانت انتقادية جداً للعلاقات الوطيدة مع إسرائيل واستمرارها فى انتقاد السياسة الاسرائيلية تجاه الفلسطينيين ولبنان إلا أنها حافظت على العلاقات معها، وقامت بتوقيع العديد من الاتفاقيات الثنائية بين البلدين فى مجالات التعاون الاقتصادى والزراعى والصناعى، واتسع نطاق العلاقات بين البلدين واستمرت العلاقات الأمنية كما كانت فى الماضى.
لقد ساهم تحسن العلاقات بين الهند والولايات المتحدة والتعاون مع اللوبى المؤيد لاسرائيل واللوبى المؤيد لليهود فى واشنطن فى التقليص الكبير للفجوات فى التوجهات العالمية فى السياسة الخارجية للبلدين. ولقد سعدت إسرائيل كثيراً بموقف الهند التى صوتت فى الأمم المتحدة وفى الوكالة الدولية للطاقة الذرية على أن إيران قد خرقت التزاماتها الدولية فى الشأن النووى.

تشابه الظروف الهندية الإسرائيلية
تتشابه الرؤى التهديدية لدى كل من الهند وإسرائيل نظراً لمشاركتهما فى نزاعات مستمرة وخاضتا الكثير من الحروب التقليدية ضد جيرانهما. ويشترك الهنود مع الاسرائيليين فى أنهم يشعرون بأنهم محاصرون فى منطقتهم، فالهنود يعتقدون أن باكستان تريد أن تفككها، والكثير فى المؤسسة الأمنية الهندية على قناعة أن باكستان تشغل الهند بالحرب وتؤيد الانفصاليين الاسلاميين الذين يستخدمون الارهاب ضدها.
وتتبع الهند دبلوماسية حذرة من أجل الحد من التوتر بينها وبين الصين، غير أن الاستراتيجيين الهنود يعتقدون أن كثير من الدول حولها تعتقد ان التقدم الاقتصادى الكبير للصين وقوتها العسكرية المتزايدة فيه ما يهدد الأمن القومى الهندى؛ فالهند تعانى بشكل عام من احتمال حقيقى لعدم الاستقرار الاستراتيجى فى آسيا.
أما إسرائيل فقد تحسن وضعها الاستراتيجى فى عصر ما بعد الحرب الباردة، على الرغم من التهديدات التى مازالت قائمة -خاصة مع البرنامج النووى الايرانى، وعدم انتهاء الصراع العربى الاسرائيلى. وما من شك فى أن تصدع النظام الاقليمى العربى بعد حرب عاصفة الصحراء فى 1991 وانهيار الاتحاد السوفيتى قد فتح المجال أمام كل من الهند وإسرائيل لاعادة ترتيب أولوياتهما الاقليمية والدولية. ولقد بدأت الهند تراعى المشاعر الاسرائيلية فلم تصوت لصالح القرارات التى تدين إسرائيل. ولقد قدت إسرائيل    المشورة للهند فى نزاعها مع باكستان سواء فى سباقهما النووى أو فى قضية كشمير.

الأهداف الإسرائيلية من التعاون مع الهند
لا شك فى أن التقارب الاسرائيلى الهندى يأتى فى سياق الحسابات الامريكية الجيوستراتيجية الرامية الى الهيمنة على العالم تحت ما تسميه الحرب على الارهاب وتسعى الولايات المتحدة من رعاية هذا التقارب الى أكثر من هدف تدخل كلها ضمن دائرة المصالح المشتركة ومن أبرزها ما يلى:
1- حصار روسيا بصورة تمنعها من استعادة دورها كدولة عظمى فى المستقبل القريب وذلك من خلال إيجاد قوة نوعية موالية لواشنطن على حدودها.
2- تطويق الصين، القوة المرشحة لمنافسة الولايات المتحدة خلال العقود المقبلة، وضرب التحالف بين بكين وموسكو.
3- تطويق إيران تمهيداً لاخضاعها للسيطرة الأمريكية أو القضاء على برنامجها النووى الصاروخى.
4- تصفية الحركات الاسلامية الراديكالية فى المنطقة بما يضمن أمن الولايات المتحدة ومصالحها فى الداخل والخارج.
أما الأهداف الإسرائيلية والتى يمكن اضافتها إلى الأهداف الأمريكية من تطوير العلاقات بين البلدين:
5- رغبة إسرائيل فى تطويق كل من باكستان وإيران ومراقبة التطورات العسكرية لديهما وخاصة البرنامج النووى.
1- الحصول على مساعدة الهند فى تطوير برامجها النووية بشرط عدم نقل أى من هذه الخبرات الى أية دولة من دول الشرق الاوسط للحفاظ على تفوقها النوعى.
2- إقامة محطات تجسس الكترونية فى الهند من اجل الاستطلاع على مقربة من حدود إيران الشرقية ومن حدود باكستان الشمالية مستغلة الموقع الجيوستراتيجى للهند فى القارة الآسيوية.
3- إنهاء حالة العزلة السياسية التى واجهتها إسرائيل إثر تدهور الأوضاع السياسية والأمنية فى منطقة الشرق الأوسط بسبب المجازر الفلسطينية بحق الفلسطينيين.
4- مكافحة ما يسمى "الارهاب الاسلامى" وتغيير طبيعة المواقف التى تحدد كيفية تصويت الهند فى الأمم المتحدة والمحافل الدولية.

الأهداف الهندية من التعاون مع إسرائيل
لخص الكاتب الهندى باتوونت سينخ أهداف الهند القومية من خلال تعاونها مع إسرائيل فى:
1- مساعدة الهند على الحصول على الأسلحة الحديثة والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة خاصة الأمريكية بشكل غير مباشر.
2- إقامة علاقات مع اليهودية العالمية وخصوصاً اليهودية الأمريكية ذات النفوذ الكبير فى البنوك والأوساط المالية فى الولايات المتحدة.
3- حمل اليهودية العالمية على اتخاذ مواقف ودية متعاطفة مع القضايا الهندية.
4- الحصول على المساعدات العلمية والتكنولوجية والزراعية الاسرائيلية.
5- اعتبرت الهند اسرائيل بديلاً للاتحاد السوفيتى وبوابة للانفتاح على الولايات المتحدة من أجل الحصول على المساعدات التكنولوجية والمالية والسياسية.
6- اعتبار أن إسرائيل تقع فى محيط المصالح الحيوية المباشرة للهند.


الأهداف الإستراتيجية المشتركة
لم يتحول جدول الأعمال الاستراتيجى المشترك ومنظومة العلاقات التى تطورت بين الهند وإسرائيل إلى تحالف عسكرى؛ فلا يرغب أى منهما فى الانجرار إلى الصراع الاقليمى للطرف الآخر؛ فالدولتان تؤكدان على أن العلاقات الأمنية بينهما تهدف إلى تعزيز القدرة على الدفاع القومى والاستقرار الاقليمى وليست موجهة ضد طرف ثالث؛ فإسرائيل لا ترغب فى أن تبدو كعدو لباكستان كما أنها تتصرف بحذر شديد فى علاقاتها مع الصين. وعلى غرار ذلك فإن لدى الهند مصالح سياسية واقتصادية كثيرة فى العالم العربى وانتشار كبير للعمالة الهندية فى دول الخليج العربى، كما أن هناك تأييد عاطفى هندى للفلسطينيين. وعلى الرغم من ذلك فإن الاهتمامات الاستراتيجية المتطابقة تمنح منظومة العلاقات بين الهند وإسرائيل طابعاً مختلفاً من العلاقات الثنائية.

العدو المشترك
تعتبر إسرائيل أن العدو المشترك لها وللهند هو النشاط الاسلامى المتطرف فى الشرق الأوسط الكبير؛ فالهند قلقة، من ناحية، من التطرف الاسلامى المتزايد فى الشرق الاوسط وتعتبر بعض الدول فى المنطقة -مثل السعودية- مركزا لهذا التطرف كما تخشى من التقارب المتزايد بين السعودية وباكستان؛ فالمخزون النووى الباكستانى يهدد نيودلهى كما تخشى أن تصل هذه الرؤوس النووية إلى أيدى المتطرفين الاسلاميين.
أما إسرائيل فترى أن التهديد الاسلامى فى العالم وفى الجمهورية الاسلامية الايرانية بشكل خاص يشكل تحدياً أمنياً دائماً عليها، وكذلك العلاقة بين حزب الله وحماس وإيران.
بشكل عام، هناك تشابه فى ثقافة الدولتين الاستراتيجية وأنهما تفكران بمفاهيم متشابهة.



التعاون العسكرى بين البلدين
إن الاطار المؤسس للتعاون الأمنى بين البلدين موجود بالفعل؛ فهناك زيارات تتم على مستويات رفيعة فى كثير من الأحيان. ففى عام 2002 تشكلت مجموعة عمل مشتركة حول النشاط ضد الارهاب، والتى تسمح للطرفين بمشاركة التجارب والمعلومات والتدريبات من أجل التعامل مع هذا التهديد العالمى. وفى عام 2007 جرى لقاء فى نيودلهى وتركز حول محاربة تمويل الارهاب، ونقل السلاح للارهابيين، ومخاطر تجارة المخدرات، والتعاون الثنائى بين البلدين.
إن لدى أجهزة مخابرات الدولتين قلق مشترك يتركز على الجماعات الاسلامية المتطرفة، ولقد كانتا الهند وإسرائيل شريكتين فعالتين فى منظومة محاربة الارهاب، وهما ملتزمتان بالتنسيق مع الدول الديمقراطية الأخرى ضد هذا التهديد وهناك أجهزة أخرى لتبادل المعلومات بين مجلسى الأمن القومى لدى الدولتين. بالاضافة الى أن معظم شركات الصناعات العسكرية الاسرائيلية قد أقامت مكاتب لها فى الهند من أجل تسهيل الاتصالات والمبيعات فى الهند.
          تعتبر الهند أحد أكبر أسواق السلاح فى العالم، وتحتل المرتبة الثالثة فى استيرادها للسلاح وذلك بانفاقها سنويا حوالى 4 مليار دولار، بل وتفكر فى مضاعفة نفقاتها الأمنية فى السنوات المقبلة. ولقد نجحت شركة الصناعات العسكرية الاسرائيلية فى اقتحام الاسواق الهندية، وفى عام 2006 أصبحت إسرائيل أكبر مصدر سلاح للهند بعد روسيا؛ حيث صدرت ما يقدر بـ1,5 مليار دولار. ولقد وصل حجم التجارة فى الصناعات العسكرية بينهما فى السنوات 2006-2008 حوالى مليار دولار سنوياً وفقاً لتصريحات وزير الدفاع الهندى.
ولقد كان بداية التعاون فى المجال العسكرى عبارة عن عقود لتطوير إسرائيل للسلاح الروسى الهندى القديم لديها؛ حيث قامت إسرائيل بتطوير طائرات MIG21 وكذلك طائرات هجومية قاذفة تحمل قنابل موجهة بالليزر، وكذلك تطوير طائرات SU30. كما قامت شركة سولتم الاسرائيلية بتطوير مدافع 133مم السوفيتية، وكما قامت بتطوير الدبابات الروسية من طراز T72 ونظام الدفاع الجوى ZSV_23 الروسى الصنع.
وكانت أكبر الصفقات التى قامت بها إسرائيل، والتى فاقت المليار دولار واحتاجت إلى موافقة الولايات المتحدة، فى عام 2003 هى لمنظومة رادار من طراز GREEN PINE وثلاث منظومات AWACS من طراز "فالكون" يتم تركيبها على الطائرات الروسية من طراز II 76. كما يعتمد الجيش الهندى بشكل وحيد على الطائرات الاسرائيلية بدون طيار؛ ففى عام 2001 وقعت الهند على عقد بقيمة 130 مليون دولار مع شركة الصناعت الجوية الاسرائيلية، من أجل الحصول على طائرات بدون طيار من طراز "هارون". كما باعت إسرائيل 50 طائرة أخرى للهند فى صفقة وصلت قيمتها الى 220 مليون دولار وافقت عليها الحكومة الهندية فى عام 2005.
ومنذ عام 2003، استخدم الاسطول الهندى أنظمة "باراك" للصواريخ الأرض–جو والتى تستخدم من السفن من أجل حمايتها من الطائرات والصواريخ، كما دخلت الى الخدمة الزوارق الحربية الاسرائيلية السريعة من طراز "سوفير دبورا"، كما حصل الاسطول على صواريخ أرض - جو من طراز "دربى" لطائرات "الراير" وكذلك منظومات لتطوير هذه الطائرة. كما استعانت القوات البرية بالشركات الاسرائيلية لتطوير شامل لـ200 دبابة من طراز T-72M1، وتركيب أنظمة TISAS الاسرائيلية على 500 عربة حربية من طراز BMP-2 لسلاح المشاة.
إن التعاون العسكرى بين الهند وإسرائيل من شأنه أن يشجع الأمريكيين على بيع الأنظمة المتقدمة للهند، كما أن الهند مهتمة بمنع باكستان من شراء أسلحة عسكرية أمريكية حديثة وخاصة الطائرات, كما لا تمانع إسرائيل فى ذلك نظراً لأن العلاقات بين باكستان وإسرائيل ما زالت مجمدة.
تهتم الهند وإسرائيل من خلال التعاون بينهما بنقل التكنولوجيا العسكرية الأمريكية التى لا تستطيع الهند الحصول عليها بشكل مباشر كما تهتم إسرائيل بأن تتمم الولايات المتحدة صفقتها النووية مع الهند وذلك كى تحصل إسرائيل من خلالها على التكنولوجيا النووية الأمريكية عن طريق الهند.



التعاون النووى الهندى الإسرائيلى
صرح وزير الداخلية الهندى لال كريشنا أوفاتى أثناء زيارته لتل أبيب عام 1999 بأنه يؤيد تعاونا كاملاً مع إسرائيل فى جميع المجالات، بما فيها المجال النووى. ولقد كان فى هذا التصريح رسالة أمنية للعديد من الأطراف خاصة باكستان وإيران.
لقد بدأ التعاون النووى بين الهند وإسرائيل عام 1962 عندما قام رئيس لجنة الطاقة النووية الاسرائيلية أرنست برجمان بزيارة الهند ووقع اتفاق للتعاون يشمل تبادل الخبرات والاحتياجات النووية فى المواد والمعدات. ولقد برز التكامل فى البرنامجين النوويين للدولتين عندما سدت الهند حاجة إسرائيل من المواد الخام النووية من اليورانيوم والثوريوم، لكن تنقصها التقنيات التى تملكها إسرائيل. ولقد شمل التعاون النووى الهندى الاسرائيلى ثلاثة مجالات هى:
1- تصغير الأسلحة النووية: انتاج أسلحة نووية من أعيرة صغيرة (1-15 كيلو طن) يمكن اطلاقها من صواريخ تكتيكية استراتيجية. ولقد حصلت اسرائيل على النتائج الجاهزة لمئات التجارب التى أجرتها الولايات المتحدة وفرنسا فى مطلع التسعينات.
2- تطوير القنبلة الهيدروجينية: ولقد نجحت اسرائيل فيها خلال الثمانينات ولقد استفادت اسرائيل من التجربة الهندية فى هذا الخصوص بعد أن خصصت لنفسها تجربتين لصالحها حضرهما مسئولون اسرائيليون.
3- تطوير الصواريخ الباليستية حاملة الرؤوس النووية: ولقد استفادت الهند من التقدم الذى حققته اسرائيل فى هذا المجال خاصة فى برنامجها لانتاج صاروخ أريحا الذى بدأته فى الستينات على أساس التكنولوجيا الفرنسية.
4- التعاون فى مجال تكنولوجيا تحميل الصواريخ الباليستية فى الغواصات مما يمنح اسرائيل عمقاً جيوستراتيجياً حيوياً فى المياه الدولية.
يذكر أن الهند وإسرائيل تشتركان فى موقفهما من اتفاقيات الحد من انتشار السلاح النووى ووقف التجارب النووية حيث رفضتا التوقيع عليهما كما رفضتا أى تفتيش على منشآتهما النووية.
خلاصة
مما تم استعراضه من الممكن تلخيص العلاقات بين إسرائيل والهند فى النقاط التالية:
1- كانت العلاقات بين الهند وإسرائيل خاصة العسكرية عاملاً مهماً فى التقارب بين البلدين.
2- التأثير الكبير لإسرائيل فى الولايات المتحدة وكذلك تأثير اللوبى اليهودى جعل إسرائيل دولة يرغب الجميع فى التقرب منها.
3- أعارت الهند اهتماماً قليلاً للقضية الفلسطينية، ولم تربط العلاقة مع اسرائيل بالتحولات السياسية فى الصراع العربى الاسرائيلى.
4- تعمل إسرائيل على التقرب من المسلمين الهنود وذلك لابعاد البعد الدينى عن الصراع العربى الإسرائيلى.

المراجـــع
1-  إحسان مرتضى، الحسابات الجيوستراتيجية فى العلاقات الاسرائيلية الهندية.
2-  د. عماد جاد، من داخل إسرائيل الان ومنذ نصف قرن صراعات داخلية وطموحات خارجية. ، ميريت للنشر والمعلومات، القاهرة 2004.
3-  د. إبراهيم عرفات، الهند ليست إسرائيل.
4-  إفرايم عنبار، الشركاء الاستراتيجيون الجدد لاسرائيل: تركيا والهند، مركز بيجن السادات، رامات جان، 2008.

5-  السياسية الخارجية لاسرائيل فى عصر التغيرات العالمية، تقرير مؤتمر هرتزليا 2011.