الأحد، 5 أبريل 2015

جنوب السودان


المحررة الرئيسية: الدكتورة إيريت بق. المحررة الثانوية: عنبال بن يهودا
الجزء الأول, العدد رقم 1, 22 مارس 2015

جنوب السودان في أزمة الهوية: تحديات من أجل بناء دولة قومية
حاييم قورن
ترجمة: عمرو زكريا
في التاسع من شهر يوليو 2011 حصل جنوب السودان على الاستقلال. ولقد كان ذلك ذروة عملية مستمرة بدأت باتفاق CPA[i] بين حكومة الخرطوم في الشمال، وبين جنوب السودان، ممثلة في حركة [ii]SPLM. ولقد أثمر الاستفتاء الذي جرى في 2011، في إطار الاتفاق المبرم، عن انفصال جنوب السودان عن الدولة الأم بعد حروب أهلية طويلة على مرحلتين –بين 1955-1972، وبين 1983-2005- راح ضحيتها أكثر من مليوني شخص، وحوالي أربعة ملايين لاجيء وشريد. هذا المقال يشير إلى الطريق الذي سلكه الجنوب نحو الاستقلال عن السودان، كما يستعرض التحديات التي واجهها مجتمعه المتباين، في مواجهة الظروف القهرية في الداخل والخارج.
كانت المنطقة السودانية، على خط التماس بين الشرق الأوسط وأفريقيا، مهد ثقافة الممالك والقبائل، ديانات، وعبادات، وقوى استعمارية سيطرت عليها في فترات مختلفة. وفي هذا المفترق الجيوسياسي ظهرت فسيفساء عرقية، واجتماعية، وسياسية، واقتصادية، متنوعة ومركبة. لم تكن أبدًا بلاد السودان، التي تغيرت حدودها وتركيبتها السكانية بما يتماشى مع الظروف؛ وحدة سياسية أو عرقية متجانسة.
فتوزيع السكان دينيًا، وعرقيًا، وجغرافيًا. علاوة على الانتماء إلى أصل عرقي مختلف (سامي، وحامي)، وتوزيع ديني منفصل (مسلم، ومسيحي، إحيائي[1]) فهناك تقسيم في داخل الجماعات العرقية نفسها. فهناك حوالي 62 جماعة وجماعات فرعية في المنطقة، كما يتم التكلم بأكثر من 250 لغة ولهجة مختلفة. كما تنقسم اللغة العربية، التي يُتحدث بها اليوم في معظم المنطقة، إلى لهجات تختلف بعضها عن بعض، كمشتقات من الانتشار الجغرافي.
الإنتماء الديني لسكان القسم الشمالي للإسلام. ومن الناحية العرقية ينقسم المسلمون إلى جماعات تزعم وجود جذور عربية لها؛ وجماعات أفريقية غير عربية، بدأت عملية دخولها في الإسلام مع نهاية القرن 16. وفي القسم الجنوبي (جنوب السودان اليوم) معظم السكان مسيحيين، والأصل العرقي أفريقي به أقلية إحيائية، ومجموعة مسلمة صغيرة.
شهدت المنطقة السودانية احتلالين استعماريين: العثماني – المصري (1821-1885)، الذي كان تحت حكم الامبراطورية العثمانية؛ والاحتلال الإنجليزي-المصري (1889-1956)، الذي كان في حقيقة الأمر حُكمًا بريطانيا، بعدها حصل السودان على الاستقلال. وفي خلال تلك الفترة كانت الثورة المهدية بين 1881-1889 نقطة فارقة في بناء الهوية القومية السودانية. فقد منحت "الدولة المهدية"، التي سيطرت في تلك الفترة على معظم الأراضي السودانية، الإحساس بالتعاون والتضامن مع أبناء البلد من عرب ومسلمين. أما سكان الجنوب "الكفار" فقد عانوا من غارات رجال المهدي المتكررة، حيث استغلوا سكان الجنوب في تجارة الرقيق، مما زاد العداء بينهم وبين المسلمين والعرب في الشمال.
كان تواصل الدول الاستعمارية العظمى مع الجنوب صعبًا للغاية بسب مناطق المستنقعات، لذلك ركزت اهتمامها بالسودان الشمالي. وفي فترة الحكم البريطاني، زاد اهتمام البريطانيين بمنطقة وادي النيل في القسم الشمالي. وفي مركز الحكم في الشمال تم تشييد البنية التحتية، ومُدت خطوط السكك الحديدية، ومُهدت الطرق، وأُنشأت المؤسسات التعليمية، في الوقت الذي عانى فيه الجنوب من الإهمال. ولقد أرسل البريطانيون المبشرين المسيحيين إلى منطقة الجنوب، أجل من اختراق لُب السكان دون الاستثمار في تنمية المنطقة. هكذا أصبح الجنوب المنعزل مسيحيًا، في الوقت الذي بقي فيه الشمال مسلمًا. ولقد آتت سياسة "فرِّق تَسُد" الاستعمارية بين القوى السياسية، والعرقية، والاجتماعية، والدينية المختلفة؛ أُكُلُها في هذه المجالات وأثَّرت على القومية السودانية مع بداية نشأتها.
بين إذا كانت عملية تعريب وأسلمة الشمال وليدة التاريخ الاستعماري، أم أنها كانت نتيجة هجرة العرب الرحَّل، والتجار، أو رجال الدين من شبه الجزيرة العربية، ومصر، فإنه خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، جعلت النخبة المسلمة التي تتحدث العربية مركزها في الخرطوم – ورسمت على رايتها اللغة العربية كأساس لهويتها.
في عام 1955، قبل إعلان استقلال السودان كانت هناك مخاوف من ظهور عصر استعماري جديد من المجتمع الأغالبية الشمالية السودانية – وهذه المرة في رداء عربي مسلم. وكان سبب هذه المخاوف الأوامر التي أصدرتها الخرطوم بنقل جنود جنوبيين إلى الشمال، وكان ذلك من عوامل اندلاع الحرب الأهلية.
وفي أثناء الحرب الأهلية الأولى، تشكلت الميليشيا الجنوبية أنيا-نيا (Anya-nya)، "سم الثعبان الأسود" التي أصبح لنشاطها تأثير حقيقي في فترة الرئيس السوداني جعفر النميري (1969-1985). حرَم النميري الجنوب مادياً وزادت الأزمات الاقتصادية فيه وصلت إلى حد المجاعة بين سكانه. ومع بداية الجولة الثانية من الحرب عام 1983، ظهر "الجيش الشعبي لتحرير السودان"، SPLA، وجناحه السياسي، "الحركة الشعبية لتحرير السودان"، بقيادة "أبو" الهوية السودانية الجنوبية جون جارنج. كان جارنج -من قبيلة الدنكا- يطمح في رؤية دولة سودانية ديمقراطية موحدة بقيادة الجنوب. وفي 1991 مع انهيار حكم منجستو هيلا مريام، حاكم إثيوبيا الذي ساند جارنج، أسس نائبه رياك مشار تكتلًا منافسًا. ولقد دعا "الجيش الأبيض" الذي أسسه مشار، من قبيلة النوير، إلى استقلال الجنوب الكامل وحارب من أجل ذلك.
في عام 2005 قُتل جارانج في تحطم مروحية في أوغندا. ولقد وفَّق خلفه وابن قبيلته، سالفا كير ميارديت، أوضاعه مع الواقع المتغير, وعلى عكس حلم جارانج، دعا إلى انفصال الجنوب والسعي إلى الاستقلال. انضم إليه مشار وعملا معًا كممثلين عن الجنوب في حكومة السودان، في المرحلة الانتقالية (2005-2011) التي وردت في اتفاقية CPA.
فاز سالفا كير و SPLM في الانتخابات التي جرت في 2010 وحصل على 99% من الأصوات، وبأغلبية ساحقة من مقاعد المجلس التشريعي للجنوب. وفي استفتاء عام 2011 صوت 98.93% من سكان الجنوب في صالح الاستقلال. ومع إعلان الاستقلال في 9 يوليو من نفس العام، أصبح مشار نائبًا للرئيس سالفا كير. وعلى الرغم من القيادة المشتركة للدولة الجديدة، إلا أن التوتر التاريخي بين الرئيس ونائبه لم يهدأ. فإلى جانب الظروف الاجتماعية والاقتصادية المعقدة في جنوب السودان، فقد أشعل ذلك التوتر القتال الدائر حاليًا في الدولة.
تبلغ مساحة جنوب السودان المستقل 644.329 كم2، وليس لها أي منفذ على البحر. وهي غنية بالمعادن والأراضي الخصبة، كما تتمتع بكمية كبيرة من المياة مصدرها النيل الأبيض. كذلك تم اكتشاف النفط فيها في بداية الثمانينيات. يبلغ عدد سكانها 11 مليون نسمة، في تجمعات عرقية وقبلية، وتقل نسبتهم في مساحات شاسعة.
قبيلة الدنكا هي أكبر وأهم قبيلة في جنوب السودان، تليها قبيلة النوير. هاتان أهم قبييلتان في جنوب السودان وتشكلان النخبة الحاكمة فيها. وهذه القبائل من أصل نيلوطي، تقع بالقرب من خط الاستواء المليئة بالمستنقعات، نتيجة الأمطار الموسمية وفيضان نهر النيل.
يضطر موسم هطول الأمطار أهل القبائل، الذين يعتمدون في حياتهم، في الأساس، على رعاية الأبقار، إلى الارتحال إلى المناطق المرتفعة عن النهر. وفي فصل الجفاف يستطيعون العودة ثانية إلى نفس المنطقة والعمل في الزراعة. وملكية الأبقار من الخصائص الأساسية لشعوب جنوب السودان،  ومن الممكن أن يؤدي الصراع على مناطق الرعي بين القبائل في فترة الجفاف إلى سفك الدماء. ففي عام 2012 على سبيل المثال، تسبب هذا الصراع في مقتل حوالي 2000 شخص في محافظة جونجلي (Jongeli).
إن انتشار القبائل العرقية للجنوب يخرج عن الحدود. فبعضها يرتكز على الحدود مع الشمال، والقليل في داخله. وتعتمد الدينكا التي يقع مركز سيطرتها في العاصمة جوبا، على مراكز قوتها في ولايات لايك (Lake)، وبحر الغزال. أما النوير فلها قوة كبيرة في ولاية النيل الأعلى (Upper nile)، وفي كثير من المواضع بطول الحدود مع السودان، التي تقع فيها معظم آبار النفط في البلاد. يثقل التوتر العرقي على القدرة في تشكيل ائتلاف، والسعي إلى بناء دولة هوية متكاملة. وهو مما يسهل على السودان في الشمال، ودول أخرى مثل أوغندا، وإثيوبيا؛ التدخل في سياسة الجنوب السوداني، ومحاولة دفع مصالحها فيها.
أصبح النفط مصدرًا رئيسيًا للدخل في الدولة الفتية (98%)، وفي ذلك تحدٍ كبير للعمل التقليدي في البلاد وهو رعي الأبقار. تقع آبار النفط الغنية، في مناطق آبييه (Abyei) والنيل الأعلى، على خط الحدود مع الشمال، التي لم يتم الانتهاء من ترسيمها نهائيًا بعد اتفاق CPA. وتحمله أنابيب النفط إلى ميناء بورسودان.
ونظرًا لغياب السيطرة على إنتاج النفط، الذي تتحكم فيه الشركات الأجنبية، ونظرًا لضرورة تمريره في داخل الحدود السودانية، لا يستطيع جنوب السودان إدارة هذا المورد بالصورة الملائمة. فالسودانيون يحصلون على مبالغ كبيرة من أجل تسويق نفط جنوب السودان من خلالهم، وهو ما سبب الغضب المتزايد في الجنوب حتى سبب أزمة. فقام الرئيس كير بغلق آبار النفط في عام 2012 مما أضر بشدة باقتصاد البلدين. واستُدعي الوسطاء الدوليون للتدخل لمحاولة استئناف استخراج النفط، والتوصل إلى تفاهمات بين الدولتين. وفي عام 2013 فقط، بعد حوالي عام، استأنف استخراج النفط وضخه. إن لدى المجتمع الدولي التزامات ومسؤلية تجاه مصير هذا البلد، وهو يبذل الكثير من الجهد والمال من أجل وضع جنوب السودان على الطريق الصحيح. كما تحاول منظمة [iii]IGAD الإقليمية، تقديم المساعدة سواء سياسيًا أو اقتصاديًا والتوسط بين الدول المجاورة وقت اندلاع الأزمات بينها.
وكما ذكرنا فإن الصراعات العسكرية لجنوب السودان لا تقتصر على الصراع المستمر مع الشمال، بل تحركها أيضًا عناصر داخلية. ففي 15.12.2013 قام الرئيس كير بوقف انتخابات لـ SPLM/A في جوبا،  واعتقل العديد من الموالين لنائبه مشار، الذين شاركوا فيها. بل اتهم مشار نفسه بمحاولة القيام بانقلاب، بعد أن صرح في لقاءات مع وسائل الإعلام أنه ينوي خوض انتخابات الرئاسة في 2015 أمام الرئيس الحالي.
سرعان ما تدهورت الأوضاع وُقتل عدد من الأشخاص، وفُرض حظر التجوال على العاصمة جوبا، وامتدت المعارك إلى جميع أنحاء البلاد. وفي خلال سنة واحدة فقط وصل عدد القتلى إلى ما بين 15,000 و50,000 قتيل. ومازال هناك الكثير من اللاجئين والمشردين يختبئون في مخيمات الأمم المتحدة في الدولة، وفرَّ الكثيرون منها إلى أوغندا، وكينيا، وإثيوبيا. وعلى الرغم من إنكار عناصر رسمية، فقد عادت الظواهر التي سادت في الماضي مثل بيع الأطفال للعبودية، وخطف الأطفال لتجنيدهم. وحسب اليونيسيف، ففي العام الماضي عمل 12,000 طفل كجنود في جيش جنوب السودان، وفي الميليشيات المسلحة المختلفة. وحسب تصريحات ممثل المنظمة فإن "تجنيد الأطفال في الجماعات المسلحة يدمر العائلات والمجتمعات. فالأطفال يتعرضون لمستوى من العنف غير مقبول ويهدرون فرصة الذهاب إلى المدارس"[iv]. وفي شهر يناير أعلنت الأمم المتحدة عن أول برنامج يقوم في إطاره 3,000 طفل-جندي بتسليم سلاحهم ويتم تسريحهم من المليشيات المقاتلة.
يحاول رئيس منظمة الإيجاد IGAD، وزير خارجية إثيوبيا السابق، التوسط طوال الوقت بين الرئيس ونائبه "المتمرد". وحسب آخر اتفاق وُقع في أديس أبابا في 1.2.2015، سيبقي الرئيس سالفا كير في منصبه وسيعود مشار إلى منصب نائب الرئيس. كما سيقوم ممثلو الطرفين، وكذلك ممثلو أحزاب أخرى، بتشكيل الحكومة والبرلمان. يُذكر أن اتفاقيات وقف إطلاق النار السابقة سرعان ما تم خرقها.
وفي المؤتمر الذي عُقد في جوبا في بداية شهر مارس الحالي طلب زعماء الجماعات العرقية تشكيل اتحاد فدرالي يسمح بتمثيل الجميع في السلطة، وفي السلطة التشريعية. إن حل التمثيل النسبي المتساوي كان قد طرحه في الماضي ممثلو الجماعات الصغيرة المحرومة التي استخدمها السودان، خاصة تحت حكم النميري، في تحقيق أطماعه في في الجنوب عبر سياسة "فرق تسد".
لم يستسلم بعد المجتمع الدولي، بما فيه دول أفريقية مختلفة، ويبذل قصارى جهده من أجل خلق أنماط تساعد المجتمع في جنوب السودان على السير في طريق التنمية والتقدم. كما أنه يهدد العناصر المتناحرة بفرض عقوبات عليها، في ظل انتهاك حقوق الإنسان وخشية ارتكاب جرائم حرب منذ ديسمبر 2013[v]. إن تعامل جنوب السودان نفسه مع مشكلة العرقية، والحروب الداخلية، وانتهاك حقوق الإنسان، وإقامة مؤسسات الدولة، وبناء خصائص وطنية مشتركة أمر ما زال في ذروته. وستخبرنا الأيام إذا ما كان المجتمع السوداني سينجح في التبلور وخلق ظروف تسمح بإدارة شؤون الدولة.

الدكتور حاييم قورن، عمل كأول سفير لإسرائيل في جنوب السودان، ويشغل الآن منصب سفير إسرائيل في مصر.



 [1] الإحيائية Animism بمعنى الروح أو الحياة وهي الاعتقاد بوجود الأرواح, وأن جميع الكائنات حتى الجمادات لها روح، وكذلك في الظواهر الطبيعية, وهي ديانة وثنية. (المترجم)



[i] .Comprehensive Peace Agreement (CPA), 2005-2011
[ii]   Sudan People's Liberation Movement/Army – ظهرت الحركة الشعبية لتحرير السودان كجناج سياسي للجيش الشعبي لتحرير السودان.
[iii] تأسست منظمة (IGAD) Inter-Governmental Authority on Developmen، عام 1996. تهتم بالتوجه التنموي والاقتصادي، وممثلة فيه كل من السودان وجنوب السودان، وجيبوتي، والصومال، وكينيا، وأوغندا، وإثيوبيا، وإرتريا. ومع الوقت طورت أهدافها أيضًا إلى منع الصراعات.
[iv] خطف أربعمائة طفل لضمهم للمليشيات التي تخدم رئيس جنوب السودان. جريدة هآرتس 2 مارس 2015 . >http://www.haaretz.co.il/news/world/africa/.premium-1.2578101>
[v] 5 “S. Sudan rivals ink power-sharing deal in Ethiopia”, Sudan Tribune, February 2, 2015
http://www.sudantribune.com/spip.php?article53850